كُتاب الرأي

[تكتيك تفكيك المستحيل]

[تكتيك تفكيك المستحيل]

هذا الاسبوع يأتي مقالي إليكم، مدفوعا بزخم استثنائي يحمل في طياته ابعادًا تتجاوز المستطيل الاخضر لتتماس مباشرة مع جوهر الفكر الاداري وبناء الارادة الانسانية تحت عنوان[ فازت مصر وتأهلت لدور ال 16 ففازت الارادة والطموح].
لا نقرأ هنا فقط تفاصيل انجاز كروي عابر، بل نتأمل نموذجًا حيًا لكيفية صناعة النجاح وتحقيق ما يظنه البعض مستحيلا.
وكما يقول الفيلسوف الروماني سينيكا “ليس لأن الاشياء صعبة نحن لا نجرؤ بل لأننا لا نجرؤ تصبح الاشياء صعبة”.
وهكذا تجرأ الفراعنة فصنعوا المجد وهي ذاتها الجرأة التي يحتاجها كل انسان في حياته اليومية والمهنية ليصنع فارقا حقيقيا في مسيرته الشخصية ويخرج من منطقة الراحة الى رحاب الانجاز.
إن عبور المنتخب المصري من مرحلة المجموعات ثم تخطيه عقبة دور ال 32 بفوز مستحق ونوعي على نظيره الاسترالي في مباراة تجلى فيها بوضوح كيف يعمل العمل المخلص من اجل تحقيق الهدف،
لم يكن نتاج مصادفة او ضربة حظ بل كان تجسيدا حيا لكيفية تضافر الجهود والعمل الممنهج هذا الصعود الواثق وذهاب المنتخب المصري للقاء الارجنتين المرتقب؛ يؤكد لي مجددا القاعدة الادارية الراسخة التي نرددها دائما وهي [ تحويل الهدف الاستراتيجي الاكبر الى اهداف مجزأة ومرحلية] وهنا نستحضر حكمة لاوتسو الخالدة “رحلة الالف ميل تبدأ بخطوة”.
ففي علم الادارة والقيادة نعلم يقينا ان الرؤى الكبرى للمشاريع او حتى لطموحات الانسان الشخصية قد تبدو مرعبة وصعبة المنال اذا نظر اليها ككتلة واحدة ضخمة، لكن تفكيكها الى محطات صغيرة ومدروسة يجعل من كل خطوة قصة نجاح قائمة بذاتها وعند تحقيق كل هدف مرحلي بسيط يحق للناجح ان يحتفل ويفتخر بنفسه وبما انجزه ليشحن طاقته نحو القمة التالية.
فالنفس البشرية تتغذى على الانتصارات الصغيرة التي تمهد للطريق نحو المجد الاكبر.
ان هذا الفوز التاريخي وحالة السعادة العربية العارمة التي رافقته يجددان ايماني الراسخ بان: نجاح الشخص هو في حقيقته نجاح للمجموعة التي تشجعه وتؤيده وتحفزه، فلا يمكن لافراد المنظومة او حتى للفرد في حياته المستقلة ان ينجح بمعزل عن بيئة داعمة تدفعه للامام (فالبيئة الايجابية هي الوقود الحقيقي للمبدعين).
وحين تتوحد القلوب والاصوات خلف راية طموحة يصبح الانجاز عابرا للحدود ومصدرا لالهام جماعي لا يتوقف وكما عبر ارسطو قديما “نحن ما نفعله مرارا وتكرارا”، ومن ثم فان التفوق ليس فعلا عارضا بل هو عادة راسخة تتبناها المجموعة وتدعمها الجماهير بالحب والمؤازرة الصادقة التي تحول الطاقات الكامنة الى افعال حية على أرض الواقع.
لقد قدم لنا المنتخب المصري في هذه البطولة درسًا عميقًا يتجاوز حدود الرياضة التنافسية، ليصبح مرجعًا حقيقيًا [ في الادارة بالاهداف ] حيث تتلاشى العشوائية والارتجال، وتتحرك كل خطوة وفق بوصلة دقيقة وفي القيادة الحقيقية التي تتجلى في الاوقات الحرجة لتوجه الطاقات وتصنع الفارق، وفي الايمان المطلق بالامكانيات والقدرات وكسر الحواجز النفسية والوهن امام المنافسين مهما بلغت أسماؤهم وقوتهم ، وفي:[ الثقة بالذات ] وعملية الانتقاء الذكي والتطوير المستمر لكل المهارات التي يحتاجها الشخص لتحقيق اي هدف يصبو اليه.
إن نجاح المنتخب المصري هو مرآة لنجاحك الشخصي الذي يتطلب منك ان تدير ذاتك بنفس العقيدة القتالية، والوعي الاداري الفذ أن تختار مهاراتك بعناية وأن تثق في قدرتك على مواجهة كبار التحديات في سوق العمل أو في ميدان العلم.
إنها رسالة وكورس مجاني لكل قائد واداري وصاحب حلم ملهم تأملوا تفاصيل هذا الصعود، وتذكروا جيدا مقولة الفيلسوف شوبنهاور “الارادة هي سيدة العقل”
فمتى ما اقترنت ارادتكم الفولاذية بالتخطيط الاداري المحكم وتفكيك الغايات الكبرى الى خطوات ملموسة، فإن الارض لا تملك الا ان تفسح لكم الطريق لتسيروا نحو امجادكم بشموخ وفخر فالفوز في الملعب ما هو الا انعكاس للفوز في معركة الحياة اليومية التي نخوضها جميعًا بالطموح والاصرار .

سلطان محمد بن مسفر
دكتوراة-حوكمة المنظمات

 

 

سلطان محمد بن مسفر

أديب سعودي، وكاتب رأي، وباحث دكتوراه في حوكمة المنظمات، ومهتم بالثقافة والأدب وريادة الأعمال، ومؤلف كتاب (نبذة: حين يكون الجزء هو كل المعنى).

‫4 تعليقات

  1. مقال متميز يجمع بين جمال الطرح وعمق الفكرة، فلم يكتفِ بسرد إنجاز رياضي، بل نجح في تحويله إلى درسٍ ملهم في الإدارة والقيادة وبناء الإرادة. أعجبني الربط الذكي بين أحداث المباراة ومفاهيم التخطيط الاستراتيجي، وتقسيم الأهداف، وأثر البيئة الداعمة في صناعة النجاح، مع توظيف موفق لأقوال الفلاسفة بما خدم الفكرة ولم يكن مجرد استعراض ثقافي.

    أسلوبك سلس ومؤثر، وينتقل بالقارئ من عالم الرياضة إلى ميادين الحياة والعمل بسلاسة وإقناع. مثل هذه المقالات تثري القارئ وتجعله ينظر إلى الإنجازات بمنظور أعمق من مجرد نتيجة مباراة. كل التقدير لكاتب هذا المقال، وبانتظار المزيد من هذا الطرح الراقي والهادف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.