اليمن… هل أصبح الاسم أكبر من الدولة؟

اليمن… هل أصبح الاسم أكبر من الدولة؟
منذ سنوات، واليمن يعيش دوامة من المشاريع السياسية؛ مرةً تحت شعار الدولة البسيطة، وأخرى تحت عنوان الفيدرالية، ثم تتوالى المقترحات بين الأقاليم، وتقاسم السلطات، وتعدد العواصم، وتوزيع الثروة والصلاحيات.
ورغم اختلاف هذه المشاريع، إلا أنها تشترك جميعًا في نقطة واحدة؛ فهي تحاول معالجة شكل الدولة، بينما تتجاوز السؤال الأكثر أهمية:
هل ما زال اسم “اليمن” يمثل هوية جامعة يلتف حولها الجميع؟
في تقديري، هنا تكمن العقدة الحقيقية.
فأي دولة لا تقوم فقط على الدستور أو المؤسسات أو توزيع السلطات، وإنما تقوم أولًا على شعور مواطنيها بالانتماء إلى هوية سياسية واحدة. فإذا أصبحت هذه الهوية محل خلاف، فإن أفضل الدساتير، وأعدل الأنظمة، وأقوى الضمانات الدستورية، لن تصنع استقرارًا دائمًا.
لقد أصبح اسم اليمن، بالنسبة لقطاع واسع من أبناء الجنوب وحضرموت، مرتبطًا بمرحلة تاريخية مليئة بالصراعات والإقصاء والتهميش. وسواء اتفق البعض مع هذا التوصيف أو اختلف معه، فإنه يمثل واقعًا سياسيًا لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه.
ولهذا فإن الإصرار على الإبقاء على الاسم نفسه، مع تغيير شكل الدولة فقط، قد يعني إعادة إنتاج الأزمة بصيغة مختلفة، لأن الخلاف لم يعد محصورًا في العاصمة أو توزيع الصلاحيات، بل امتد إلى الهوية السياسية ذاتها.
إن التجارب الدولية تؤكد أن الدول الناجحة لم تحقق الاستقرار لأنها وزعت السلطات فحسب، بل لأنها نجحت أولًا في بناء هوية وطنية يشعر الجميع أنهم جزء منها. وعندما ترسخت تلك الهوية، أصبحت بقية الترتيبات الدستورية والإدارية أدوات لتعزيز الوحدة، لا وسائل لإنقاذها.
لذلك، إذا كان الهدف هو الحفاظ على كيان سياسي موحد، فلا ينبغي أن يكون أي موضوع خارج دائرة النقاش، بما في ذلك اسم الدولة نفسه.
فلماذا لا يُطرح هذا السؤال بكل شجاعة على طاولة الحوار؟ ولماذا لا يُمنح الشعب حق الاختيار عبر استفتاء حر ونزيه، ليقرر إن كان يريد الإبقاء على اسم اليمن، أو الانتقال إلى مسمى جديد يمثل بداية مرحلة مختلفة وهوية جامعة جديدة؟
قد تُطرح أسماء متعددة، وقد تُرفض جميعها، وقد يُختار الإبقاء على الاسم الحالي. المهم أن يكون القرار نابعًا من إرادة الشعب، لا من افتراض مسبق بأن الاسم غير قابل للنقاش.
إن بناء الدول الحديثة لا يقوم على فرض الرموز، وإنما على قبولها. والهوية الوطنية ليست شعارًا رسميًا، بل عقدًا معنويًا يربط المواطن بوطنه ويمنحه الشعور بالشراكة والانتماء.
فإذا اتفق الناس على الهوية، أصبحت الفيدرالية، وتوزيع السلطات، وتعدد العواصم، والتنمية المتوازنة، ملفات قابلة للحل. أما إذا بقي الخلاف قائمًا حول المظلة التي تجمع الجميع، فستظل كل الحلول الأخرى تدور في الحلقة نفسها.
إن مستقبل اليمن لن تحدده فقط طبيعة نظام الحكم، بل سيحدده أيضًا الجواب عن سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في أثره:
هل المشكلة في شكل الدولة… أم في الاسم الذي لم يعد يجمع جميع أبنائها؟
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
4 يوليو 2026
