أصحاب الأثر

عبد القدوس الأنصاري: سادن التاريخ

عبد القدوس الأنصاري: سادن التاريخ

محمد الفريدي

في اتصال جمعني، دار حديثٌ ذو شجون مع الزميل الكاتب والأديب سعادة العميد صالح بن حسين المحياني من مكة المكرمة؛ حديثٌ لم يكن غريبا على قامة تسكنها ثقافةُ الوطن وهمومُ توثيق مسيرته، فتنقلنا في حوارنا بين رفوف التاريخ وصحائف الفكر، حتى جرى ذكرُ المدينة المنورة، وتاريخِها، ورجالاتِها العظماء.

وبنبرة الأديب اللمّاح الذي يعرف كيف يوجّه البوصلة نحو القمم، قال ما معناه: (إن قاماتِنا الروادَ يستحقون منا أن نبعث مآثرهم حية في وعي الأجيال، وألا نترك غبار الوقت يطمس معالم التأسيس؛ وعبد القدوس الأنصاري يتربع في طليعة هؤلاء الذين ندين نحن لذكراهم بوقفة وفاء)، وطلب مني أن أخص هذا العَلَم بمقال يستحضر ريادته.

نزلت كلماتُه في نفسي منزلة الواجب والمسؤولية؛ فالحديث عن الأنصاري ليس مجرد استدعاء لاسم في سجلات الماضي، إنما هو إبحارٌ في سيرة رجل عظيم تختزل مسيرتُه قصةَ وعي وطن كامل، ومن هنا، وتلبية لدعوة الزميل العزيز، ووفاء لبعض حق أديبنا الكبير علينا، تأتي هذه السطور.

إن الثناء والاحتفاء الذي حظي به عبد القدوس الأنصاري من معاصريه لم يكن من قبيل المجاملة، وإنما جاء اعترافا واضحا بريادته؛ فقد أقرّ الجميع بأنه كان الأسبق في مضمار التأسيس، والأكثر صدقا ووضوحا في طرحه، والأشد التزاما بقضايا تراثه.

ففي تلك المرحلة من المخاض الثقافي التي صاحبت تأسيس دولتنا على يد الملك المؤسس (رحمه الله)، برزت قاماتٌ فكريةٌ كان الأنصاري في طليعتها؛ قاماتٌ لم تكتفِ بمواكبة العصر، وإنما تولَّت تأسيس البنى التحتية للوعي الأدبي والتاريخي.

وفي طليعة هؤلاء الرواد، برز الأديب العلامة والمؤرخ والمؤرشف الأستاذ الكبير عبد القدوس بن القاسم بن محمد بن محمد الأنصاري الخزرجي (1324هـ – 1403هـ / 1906م – 1983م)؛ الذي امتزجت حياته بمسيرة النهضة الثقافية في الحجاز والمملكة ككل، وترك خلفه بصمات لا تمحى في الرواية، والصحافة، وعلم الآثار، والعمل الإداري.

ولد عبد القدوس الأنصاري في رحاب المدينة المنورة، وفي أزقتها التاريخية المفعمة بعبق التراث تشكّل وعيه الأول؛ فقد شهدت طفولته منعطفا حزينا بعدما غيّب الموت والده وهو لم يتجاوز الخامسة أو السادسة من عمره الغض، فتداركته العناية الإلهية حين كفله خاله الشيخ محمد الطيب الأنصاري الذي أحسن تنشئته، وغرس في أعماقه حب المعرفة والشغف بالعلوم.

وتلقى تعليمه الأولي في حلقات المسجد النبوي الشريف على يد كبار علمائه، قبل أن يلتحق بـ (مدرسة العلوم الشرعية) ويتخرج منها، ولأنه أبدى نبوغا مبكرا في دراسته فقد عُيّن أستاذا للأدب العربي في المدرسة ذاتها فور تخرجه، لينتقل سريعا من مقاعد التلقي إلى منصة العطاء والتدريس.

هذا المزيج بين الأصالة اللغوية والعمق الشرعي شكّل النواة الصلبة لأديب عُرف طوال حياته برصانة بيانه، وغِيرته الشديدة على لغة الضاد، ومحاربته لكل أشكال التغريب أو تسرب العامية إلى الأدب المطبوع، وهو ما تجسد لاحقا في مصنفاته اللغوية المرجعية مثل (التحقيقات اللغوية) و(معجم بني تميم).

وقد تميز الأنصاري بتعدد مواهبه، وثقافته الموسوعية العالية، وتواضعه الجم الذي زانه ذكاءٌ وقاد، وذاكرةٌ حديديةٌ لافتة، وولعٌ دائمٌ بالرحلات واستكشاف الآثار.

لم يكن الأنصاري مجرد متلق للثقافة؛ كان صانعا لمنعطفاتها الكبرى بإنجازات ريادية تحوّلت إلى ركائز في تاريخ الأدب السعودي.

وفي عام 1349هـ (1930م)، أصدر رواية (التوأمان) وطبعها في دمشق لتكون أول رواية في تاريخ الأدب الحديث في الحجاز والمملكة؛ لم تكن تسلية فكرية، فقد جاءت في إطار اجتماعي إصلاحي نادى فيه مبكرا بأهمية التعليم النظامي الحديث والهوية والدفاع عن القيم في وجه التحديات المعاصرة.

وفي أواخر عام 1355هـ (بداية 1937م)، أطلق من المدينة المنورة مجلة (المنهل) الشهرية وتبوأ منصب رئيس تحريرها الأول؛ ولم تكن مجرد مجلة تنشر القصائد والمقالات، فقد تحولت تحت إدارته الصارمة إلى (مؤسسة فكرية) متكاملة صمدت أمام أزمات الورق والطباعة لعقود.

وغدت منبرا عربيا يكتب فيه كبار أدباء الشام ومصر والعراق، وجسرا يربط الحراك الثقافي السعودي بمحيطه الإقليمي. وهي المجلة العريقة التي لا تزال تواصل صدورها حتى اليوم، حاملة لواء التنوير، ويقود دفتها الآن رئيس تحريرها الجديد، حفيده الدكتور زهير بن نبيه الأنصاري، امتدادا لإرثها التاريخي الطويل.

وفي إطار جهود أديبنا الكبير المبكرة، اشترك مع صديقه ورفيق دربه الأديب والمؤرخ عبيد مدني (1343هـ – 1426هـ) –الذي حاز لاحقا على جائزة الدولة التقديرية في أولى سنوات منحها عرفانا بفضله– في تأسيس النادي الأدبي الأول في المدينة المنورة.

فقبل عقود من تأسيس الأقسام الأكاديمية المتخصصة في الآثار بالجامعات السعودية، كان عبد القدوس الأنصاري يمارس علم الآثار بمنهجية علمية دقيقة جعلت المؤرخين يلقبونه بـ(الآثاري السعودي الأول)؛ فقد تميَّز منهجه بالانتقال من الغرف المغلقة إلى الفضاء الميداني.

وكان يقوم برحلات استكشافية لمعاينة النقوش، وقياس المسافات، وتوثيق الحصون والآبار والعيون، وقد أثمر هذا الشغف عن كتب تعد اليوم مراجع أساسية لا غنى عنها للباحثين، ومن أبرزها: (آثار المدينة المنورة)، و(تاريخ مدينة جدة)، و(تاريخ العين العزيزية بجدة ومصادر المياه في المملكة).

إلى جانب عبقريته الأدبية، كان الأنصاري رجل إدارة من الطراز الأول، تولّى وظائف حكومية وتنظيمية عدة عكست ثقة القيادة بموضوعيته وأمانته؛ فبدأ مسيرته في ديوان إمارة المدينة المنورة، وتدرج حتى أصبح رئيسا للكُتّاب في الديوان، ثم انتقل عام 1359هـ (1940م) بطلب رسمي إلى مكة المكرمة ليتولى رئاسة تحرير الجريدة الرسمية للدولة (أم القرى).

وقد قاد الخطاب الإعلامي الرسمي آنذاك باتزان ورصانة خلال فترة الحرب العالمية الثانية الحرجة، ثم استقر به المقام في المستشارية المالية بوزارة المالية في جدة، وظل يخدم في أروقتها الإدارية والمالية حتى تقاعده النظامي عام 1387هـ؛ ليتفرغ تماما لمشروعه المعرفي ومجلته.

عاش الأنصاري في قلب مجتمع معرفي نابض، وربطته برفقاء دربه علاقاتٌ قائمة على الاحترام العلمي والوفاء الأخوي الراقي؛ فكانت زمالته مع علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر نموذجا للتلاقح الفكري والتواصل الثقافي، والنقاش العلمي الرصين حول ضبط المواقع والأنساب.

وشاركه الأديب محمد سعيد العامودي هموم التأسيس الصحفي، وتخندق معه أحمد عبد الغفور عطار في خندق الدفاع عن فصاحة اللغة، في حين وجد فيه الشاعر حسن عبد الله القرشي أستاذا وموجها وفيا.

وفي هذا المناخ الفكري المتميز انتقل بطبيعة الحال إلى داخل بيته؛ فنشأ أبناؤه على ذات قيم العلم والمسؤولية، فبرز الدكتور عاصم أكاديميا ومؤرخا وباحثا في الآثار، وتولى الأستاذ نبيه الدفة الإدارية والتحريرية لمجلة المنهل بعد رحيل والده.

وتميز المهندس أمين في مجاله الهندسي والتطويري، وقد تجلى بر الأبناء في محافظتهم على مكتبة والدهم الضخمة، ووثائقه النادرة، وضمان استمرار إصدار مجلة المنهل وفاء وامتدادا لرسالته.

وتقديرا لهذا العطاء الاستثنائي، حظي الأنصاري باحتفاء واسع من مختلف المؤسسات الثقافية والرسمية في المملكة؛ فمُنح وسام الملك عبد العزيز تقديرا لجهوده الكبيرة في حفظ تاريخ المدينة المنورة وتراثها، ونال جائزة مؤتمر الأدباء السعوديين الأول عام 1394هـ تكريما لبحثه القيّم (الملك عبد العزيز في مرآة الشعر).

كما اختاره نادي المدينة المنورة الأدبي في (ملتقى العقيق الأول) ليكون أول رائد يُكرّم في الملتقى، وكان كذلك من أوائل المُكرّمين في (منتدى الاثنينية) للشيخ عبد المقصود خوجة بجدة؛ فضلا عن انتخابه عضوا في المجمع العلمي العراقي ببغداد.

وفي الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة لعام 1403هـ (الموافق 5 أبريل 1983م)، ترجل الفارس عن صهوة قلمه في مدينة جدة؛ بعد مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لأكثر من نصف قرن.

لم يكن عبد القدوس الأنصاري مجرد كاتب ثانوي أو مغمور؛ فقد كان مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين، وصوتا نابضا للمدينة المنورة، وسادنا أمينا لتاريخها، آمن بأن بناء الوطن يرتكز على ملازمة الأصالة التراثية والتحديث المؤسسي، ليبقى إرثه المكتوب والمطبوع منارة تضيء دروب الباحثين في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وآدابها.

فرحم الله عبد القدوس الأنصاري، وجزاه خير الجزاء عما قدمه لوطننا وأمتنا من منجزات استثنائية ستظل حية في ذاكرة الأجيال؛ فقد وهب عقله وقلمه وماله على مدى نصف قرن لخدمة الحقل التوثيقي والإعلامي والصحفي والإداري، وترك خلفه سيرة عطرة وأثرا لا يمحوه الغياب.

رئيس التحرير

محمد الفريدي

رئيس التحرير

تعليق واحد

  1. الحديث عن الرواد ذو شجون، وقد حركت ماءه بعذب الكلام، ورقة الأنسام، بقلمٍ نيرٍ مستهام في الوطن العظيم.
    لله درّك، وكتب أجرك، ونأمل أن يحذو كل الإعلاميين حذوك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.