أرشيف اللحظات المنسية

أرشيف اللحظات المنسية
وسط غرفةٍ قديمةٍ مليئةٍ بالفوضى، تقف مارلين ناظرةً إلى كمية الذكريات المُلقاة؛ صورٌ في صندوقٍ لا تتذكر متى التقطتها، وكنزاتٌ لا تتذكر من أهداها، وجهاز حاسوبٍ لم تفتحه منذ سنين، منذ أن استبدلته بإصدارٍ أحدث.
كانت مارلين تُنظف ملفات جهازها القديم لأن الآخر قد تعطل، وتُمعن في كل ما يظهر أمامها من ملفاتٍ قديمة.
لفت انتباه مارلين شيءٌ ما، فتوقفت أصابعها عن النقر العشوائي حين وقع بصرها على مدونةٍ قديمة تعود لها. ابتسمت مارلين عاقدةً حاجبيها بلطف، لأنها قد تكون غير مستعدة لما قد تقرؤه؛ مجرد سذاجةٍ طفوليةٍ ربما؟
التدوينة الأولى:
“اليوم، الحديث عن حالة الطقس تكرر للمرة العاشرة، والمجاملات الاجتماعية تبدو كأنها نصٌّ مكتوبٌ مسبقًا! متى يدرك الناس أن الصمت أحيانًا أصدق؟”
٢٠٠٧-٧-٧
اتسعت عيناها بذهول، قائلةً بصوتٍ منخفض، بينما تُمرر بين المدونات:
“هل كنتُ أكتب هذا الهذيان كل يوم؟ أوه، مهلًا… هذا الموضوع أيضًا؟”
قاصدةً التدوينة الثانية:
“يا له من يومٍ سخيف! القهوة تأخرت، وفاتني درس البيانو، وما إن أمسكت الكوب أخيرًا حتى سُكب على حقيبتي الجديدة! لماذا يتآمر عليَّ هذا اليوم بكل تفاصيله؟ لقد قررت أن أخصمه من تقويمي… هذا اليوم غير محسوب!”
٢٠٠٧-٨-١
أغلقت مارلين حاسوبها، وأطلقت قهقهةً خافتة بسبب السذاجة التي قرأتها. نظرت إلى غرفتها التي يشع فيها ضوء المساء الهادئ. لقد نضجت مارلين… لم تعد تنزعج من التكرار، ولم تعد تتساءل كثيرًا.
لم تعد تنتظر أن تخلق لها اللحظاتُ المعنى، بل هي من أصبحت تُغيّر معنى اللحظة بتفكيرها ورؤيتها للأمور، فالصفحات من حياتنا لا تكتب نفسها.
فهمت الآن أن كل موقفٍ لحظي، وكل حوارٍ اجتماعي بسيط، ليس بالضرورة أن يكون استثنائيًا ليكون مهمًا. فالقيمة الحقيقية تكمن في قدرتها على التوقف، ومراقبة هذه اللحظات، وإضافة لمستها الخاصة إليها.
“كل شيءٍ لحظي”، فكرت مارلين بسلام، “وهذا هو سر الجمال. التكرار، والطقس، وحتى الكلمات المعتادة… كلها مجرد خلفية. أنا من يقرر أن يمنحها معنىً خاصًا، وأنا من يكتب قصة يومي.”
مها عبد الله القحطاني ✍🏻