كُتاب الرأي

القرارات التي لا تراها القلوب…

القرارات التي لا تراها القلوب…

ليست كل النهايات نتيجة خلاف، وليست كل مسافات البعد صُنعت بإرادة أصحابها. هناك فراقٌ يُفرض على القلوب فرضًا صارمًا، حتى يصبح الإنسان غائبًا عن أحب الناس إليه، وهو لم يختر الغياب، وصامتًا، وهو يتمنى لو كان يملك حق الكلام.
أحد عشر عامًا… عشرة عمر.
ليست ذكرى عابرة، ولا مرحلة تُطوى بسهولة، بل عمرٌ كامل من التفاصيل الصغيرة التي لا يدرك قيمتها إلا من عاشها. أحد عشر عامًا كنتُ أجد فيها وجودها جزءًا من يومي، وغيابها نقصًا لا يملؤه أحد.
كنتُ إذا غابت، بحثت عنها قبل أن يسأل عنها غيري. وإذا تأخرت، شغلني أمرها قبل أن يشغلني أي شيء آخر. لم أكن أرضى أن ينقصها درس، أو يفوتها شرح، أو تضيع عليها فرصة بسبب غيابها. كنتُ أجمع لها الملخصات، وأرسل لها كل ما قد تحتاج إليه، وأذكّرها بالمواعيد، وأنبّهها إلى كل ما قد ينفعها، وكأن نجاحها يعني لي بقدر ما يعنيها هي.
لم يكن ذلك واجبًا، ولا مجاملة، بل كان أثر المحبة الصادقة. فمن يحب، يحمل همَّ من يحب، دون أن يشعر أن ما يفعله فضلٌ أو منَّة.
وكنتُ أحب أن تُذكر بالخير دائمًا، وأن يراها الناس كما عرفتها أنا، مهما غابت، ومهما تغيبت، ومهما كانت ظروفها. لم أكن أرى فيها إلا إنسانةً لها مكانة في قلبي، تستحق كل خير.
ثم جاء يومٌ انقطعت فيه كل الطرق دفعةً واحدة…
لا لأن المحبة انتهت، ولا لأن العِشرة ضعفت، ولا لأن أحدًا قرر أن يرحل عن الآخر، بل لأن هناك أقدارًا وقراراتٍ قد تسلب الإنسان أشياءً لم يختر أن يخسرها.
وهنا يكمن الوجع الحقيقي…
أن ترى إنسانةً كانت جزءًا من حياتك طوال أحد عشر عامًا، ثم يصبح الاطمئنان عليها أمنيةً بعيدةً جدًا، لا لأنكما افترقتما، بل لأن الوصول إليها لم يعد ممكنًا.
كم هو مؤلم أن يكون في القلب كل هذا الوفاء، ولا يجد طريقًا يصل إليه. وكم هو قاسٍ أن تتحول الذكريات إلى الشيء الوحيد الذي بقي من علاقةٍ كانت بالأمس جزءًا من الحياة اليومية.
لا أعاتبها، لأنني أعرف أن بعض أنواع الغياب لا تكون خيارًا. لكنني أعاتب القسوة التي تجعل القلوب تدفع ثمنًا لا ذنب لها فيه، وتجعل سنواتٍ كاملة من الوفاء تنتهي بصمتٍ لا يشبهها، وانقطاعٍ لا يشبهنا.
سيبقى في قلبي مكانٌ لا يملؤه أحد، وستبقى هي الدعاء الذي لا ينقطع، والحنين الذي لا يخفت، والسؤال الذي لن أجد له جوابًا:
**كيف يمكن لأحد عشر عامًا من الصداقة أن تتحول في لحظة واحدة ، ألى هذا القدر من البعد ؟!

✍🏻ميعاد محمد الزهراني

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.