كُتاب الرأي

اللقب حين يغلب المضمون

اللقب حين يغلب المضمون

محمد الفريدي

يقول صديقي: ذهبتُ في أحد الأيام إلى أحد المقاهي تلبية لدعوة صديق لحضور محاضرة ثقافية، وكان المكان ممتلئا، والجميع ينادي المحاضر (يا دكتور)، وكان يتحدث بثقة عالية تارة عن الثقافة وتارة عن سوق البطيخ.

على أي حال، مع نهاية المحاضرة، يقول صديقي: سألته بهدوء، بحكم أنه أحد أقاربي الذين لم يُكملوا دراستهم: من أين لك هذه الدكتوراه؟ فابتسم وأشار إلى جيب ثوبه العلوي وقال: من هنا، ففهمتُ على الفور أنه حصل عليها بطريقة لا علاقة لها بالعلم.

وحقيقة، في السنوات الأخيرة، ومع انتشار ثقافة المقاهي، برزت ظاهرة ملفتة للانتباه تتمثل في استخدام الألقاب الأكاديمية، حتى بات لقب (دكتور) يفوق عدد كراسي مقاهينا ومنصاتنا الثقافية وملتقياتنا الأدبية وصفحات صحفنا وحساباتنا الشخصية مجتمعة.

هذا الانتشار فتح الباب أمامي لتساؤلات كثيرة: هل أصبحت شهاداتنا الأكاديمية معيارا للشريك الأدبي لقبول المحاضرين والكتّاب في مقاهينا؟ وهل تحوّلت بعض الألقاب إلى وسيلة للتفاخر الاجتماعي أكثر من كونها دلالة علمية؟ وهل يمكن أن يختبئ ضعفنا المعرفي خلف لقب أكاديمي كبير إلى هذا الحد؟

حاولتُ رصد هذه الظاهرة بعيدا عن المؤيدين والمعارضين، وبعيدا عن التعميم والأحكام الانفعالية، وبمنهج يقوم على التأمل في ممارساتهم لا في مقولاتهم التي يستخدمونها للترويج لأنفسهم، وقراءة واقعهم الثقافي كما هو، لا كما يريدون له أن يكون.

فوجدتُ أن جزءا كبيرا من هذه المشكلة يرتبط بتحويلنا اللقبَ الأكاديمي إلى سلطة اجتماعية أكثر من كونه مُسمّى علميا؛ ففي بعض بيئاتنا الثقافية لا نزال ننظر إلى لقب (دكتور) باعتباره رمزا للمكانة والهيبة وسعة المعرفة والعلم، ولذلك سعى كثيرون منا إلى الحصول عليه.

أحيانا بدافع علمي حقيقي، وأحيانا بدافع التفاخر لا أقل ولا أكثر، وقد حصل بعضهم عليه، للأسف، بأي ثمن.

والخلل ظهر عندما أصبح اللقب بديلا عن الموهبة، وحين تحول إلى جواز مرور داخل الوسط الثقافي، واختزلت القيمة في اللقب الأكاديمي والاسم، وأصبحنا نصفق للمحتوى حتى لو كان فارغا من أي أثر حقيقي.

وبعض ما ينشره هؤلاء لا يعكس المستوى العلمي الذي يُفترض أن يحمله حامل درجة الدكتوراه، فكثير من نصوصهم تكشف ضعفا ملحوظا في اللغة والأسلوب والمعالجة، وتُظهر تناقضا واضحا بين اللقب الأكاديمي والمحتوى المطروح.

مع ضعف محتواه، سطحي و(يَنْفُشُ ريشه)، وهو ما يدفع كثيرا من المتابعين إلى التشكيك في صحة هذه المؤهلات أو استحقاقهم من الأساس للقب (دكتور).

والمشكلة لا تكمن في هذه الشهادات المضروبة نفسها، وإنما في توظيفها بوصفها أداة لتحييد النقد أو فرض الحضور، بينما تظهر قيمة المثقف الحقيقية فيما يقدمه من أثر، لا في الحروف التي تسبق اسمه؛ لأن المكانة الثقافية تُبنى على المعرفة والإنجاز، لا على الألقاب وحدها.

وهناك من يقدم نفسه في سطر طويل: دكتور، مستشار، مفكر، باحث، خبير دولي، محلل استراتيجي، لكنك عندما تقرأ له نصا لا تجد فيه ما يستحق واحدة من هذه الألقاب.

أصبحت القيمة تُقاس بالاسم قبل أن تُقاس بالأثر، وتقديم الصورة على المضمون، واللقب على الفكرة.

ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا كبيرا في انتشار هذه الظاهرة اليوم، ففي السابق كان المثقف يُعرَف من خلال كتبه ومقالاته وحضوره الفكري.

أما اليوم فأصبح بإمكان أي شخص أن يصنع لنفسه صورة ضخمة عبر الألقاب التي يطلقها على نفسه، والتصميمات المختلفة، والظهور الإعلامي المتكرر، ولقب أكاديمي يشتريه من (هنقرستيشن)، فيصبح بين ليلة وضحاها مفكرا وكاتبا عظيما.

أصبح للأسف بعضُ من يتصدر وسطنا الثقافي هم من يُجيدون تقديم أنفسهم كأكاديميين وكُتّاب أكثر ممن يمتلكون معرفة حقيقية ذات قيمة تُذكر.

وتسرّبت هذه العقلية إلى حقلنا الثقافي من محيطنا العربي الذي يولي الشهادات العليا مكانة اجتماعية بارزة بوصفها رمزا للنجاح والوجاهة، وأفرزت لدينا خلطا بين (المعرفة الأكاديمية) و(المنزلة الثقافية)، وهما مفهومان لا يتطابقان دائما.

وترتب على هذا الخلط تقديمُنا للصورة على المضمون، واللقب على الفكرة، وأصبح تقييمُنا مرتبطا بما يحمله الكاتب من صفة ولقب أكاديمي أكثر مما يقدمه من محتوى، وهو ما أضعف حضور النصوص الحقيقية وأثّر في جودة التلقي لدى القارئ، وجعل القيمة تُقاس بالاسم قبل أن تُقاس بالأثر.

فالجامعات تمنح درجات علمية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع مثقفا بارزا أو كاتبا مؤثرا فكريا، فالثقافة في جوهرها مشروع طويل من القراءة والتجربة والتأمل والانفتاح على القضايا الإنسانية والموهبة.

ولذلك قد نجد أستاذا جامعيا يحمل أعلى الدرجات العلمية لكنه يكتب بلغة متواضعة وأفكار مكررة، كما قد نجد كاتبا بلا ألقاب أكاديمية يمتلك حضورا فكريا وأدبيا طاغيا يتجاوز كثيرا من أصحاب الشهادات العليا.

ومع توسّع وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت الظاهرة وضوحا؛ لأن المنصات الرقمية بطبيعتها تقوم على صناعة الصورة والحكم السريع، فأصبح اللقب أداة لبناء ما اسميه بـ(الهيبة الافتراضية) في فضاء تتداخل فيه الثقافة مع الإعلام مع التسويق الشخصي.

وبعض الحسابات تقدم أصحابها بسلسلة من الصفات والألقاب لتصنع بها لنفسها مكانة معنوية تجعل المتابعين يشعرون بأهمية ما تطرحه وبأهميتها، والمصيبة أنهم يدركون أنها تصيبنا بالنفور والاشمئزاز والغثيان.

ومشكلتنا ليست في التعليم أو الدراسات العليا، مشكلتنا في حصرنا للقيمة الثقافية في اللقب الأكاديمي وحده وجعله معيارنا الوحيد للحكم، فهناك كتّاب ومفكرون كبار لم يحملوا درجات أكاديمية، ومع ذلك كان تأثيرهم الفكري والثقافي أكبر بكثير من بعض الحاصلين على الدكتوراه، سواء كانت حقيقية أو حتى مشتراة.

والشهادات العليا قد تمنح صاحبها تخصصا أكاديميا ومكانة رفيعة في المجتمع، لكنها لا تمنحه بالضرورة الحس الأدبي أو العمق الثقافي أو القدرة على إنتاج نصوص مؤثرة، فهذه أمور لا ترتبط بالدرجات العلمية، ولا تتشكل بالألقاب التي تسبق الاسم.

وفي وسط هذه الإشكاليات يبقى السؤال الأهم: هل أصبح اللقب الأكاديمي اليوم ضرورة للعبور إلى الوسط الثقافي؟ أم أن القارئ بدأ يتجاوز الألقاب تدريجيا، وصار يبحث عن المحتوى الحقيقي؟

هناك في مجتمعنا من لا يزال يربط ثقافته ببريق الشهادات العليا، وهناك من أصبح أكثر قدرة على التمييز بين قيمته الحقيقية ومظاهره الشكلية، وأدرك أن المعرفة لا تُقاس بالألقاب وحدها، وأن ما يبقى هو أثر الفكرة وجودة المحتوى، وما يقدمه من قيمة حقيقية على أرض الواقع.

والقضية لم تعد تتعلق بحملة الشهادات الأكاديمية، وإنما بطريقة توظيفها في وسطنا الثقافي، فقد غدت هذه الألقاب جزءا من حضورنا وهيبتنا وقبولنا في المجتمع، وبدونها نشعر بنقص في حضورنا وتراجع في مستوى قبولنا.

وأكثر ما يزعجنا حقا أن كثيرا من صحفنا ومنصاتنا الثقافية والإعلامية أصبحت تمنح اللقب الأكاديمي أهمية تعلو أحيانا على النصوص نفسها، وكأن القيمة الحقيقية تبدأ من هذا اللقب لا من المحتوى، ومن الصفة لا من الفكرة.

وهذا ما أوجد بيننا، مع مرور الوقت، حالة من (الانتفاخ الشكلي)، وبات بعض كتّابنا يحرصون على إبراز ألقابهم في كل مناسبة، حتى في المقالات التي لا تمت إلى تخصصاتهم الأكاديمية بصلة، ومن هوسهم باللقب صار بعضهم يطلب من بائع الفلافل ألا يناديه إلا بـ(يا دكتور).

ووسائل التواصل الاجتماعي تعيد إنتاج هذه الظاهرة بشكل أكبر، وأصبح اللقب أداة لبناء الهيبة الافتراضية والتسويق الشخصي، وتداخلت فيها الثقافة مع الإعلام، حتى صار المظهر يعلو على المضمون، واللقب يتقدم على القيمة، والصورة تطمس الحقيقة.

ومع التوسع في إطلاق الألقاب، تراجعت جودة بعض الطروحات، حتى صرنا نقرأ نصوصا هزيلة تتزيّن بألقاب كبيرة، ونستمع إلى متحدثين لا يوازي ما يقدمونه من خطاب ما يحملونه من صفات وألقاب.

وقد امتد أثر ذلك إلى المتلقي الذي بات يواجه تضخما في الأوصاف مقابل فراغ في المضمون، فاختلط عليه التمييز بين من يحظى بعلم راسخ ومن يكتفي بوهج لقب مُشترى.

وتراجعت قيمة الكفاءة الحقيقية أمام بريق التصنيف الشكلي، وغدا المعيار الأقرب إلى التقدير هو الاسم وما يرافقه من الألقاب، لا ما يقدمه من أثر ومعرفة.

وثقافتنا لا تُقاس بما يسبق أسماءنا من ألقاب، وإنما بما نتركه من أثر حقيقي في وعي الناس وذاكرتهم، رحم الله عباس محمود العقاد، الذي لم يحمل إلا الشهادة الابتدائية وشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقدم لنا وللأمة هذا الكمّ الهائل من (العبقريات) التي لا يزال أثرها حاضرا في ذاكرتنا حتى اليوم.

وكان غزير الإنتاج، وتقترب مؤلفاته من مئة كتاب في مجالات الأدب والفكر والتاريخ والسياسة، إضافة إلى آلاف المقالات التي جعلته من أبرز أعلام الفكر العربي في القرن العشرين.

ولم يبحث عن حرف الدال الذي أشغلنا به (ربعنا) في كل مكان، ولم يشعر بأنه أقل من الذين يحملونه، ومن كثرة ما يرددونه علينا اليوم، بُتْنا نشعر وكأنهم يقولون لنا: احترمونا، فنحن جهابذة نحمل درجة الدكتوراه التي لا تحملونها ولا يحملها العقاد نفسه، بينما حصل بعضهم على هذا اللقب من (سوق البطيخ).

كاتب رأي

 

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫2 تعليقات

  1. الأستاذ القدير محمد
    مقال شجاع شخّصت فيه الداء بدقة..
    وفعلا اللقب يغلب على المضمون
    او بصيغة اخرى العجب ينادي المفتون ان صحت العبارة استاذنا :
    المأساة اليوم ليست في سوق البطيخ) الذي يبيع الألقاب، بل في ( تمييز من يشتري البطيخ )
    الذي يصفق للحرف قبل الفكرة، وللصورة قبل المضمون.
    استحضارك مذهل لنموذج (العقاد) هو الرد المفحم؛ فالجامعات تمنح الدرجات، لكن الأثر الحقيقي هو من يصنع المثقف.
    بورك قلمك وفكرك الراقي

    1. أخي العزيز ودكتورنا الحقيقي القادم بقوة/ سلطان محمد بن مسفر، حفظه الله..
      أسعدتني قراءتك للمقال من زاوية أخرى، أستاذنا الكريم، وهو ما أعتز به بلا شك.

      ما تفضلت به من تشخيص دقيق لحالة (تقديم الصورة على حساب المضمون) هو امتداد لما حاول المقال الإشارة إليه، خاصة حين يتحول المتلقي إلى مصفق للشكل قبل الجوهر، وللضجيج قبل المعنى.

      أما استحضارك الموفق لفكرة أن الجامعات تمنح الدرجات، لكن الأثر يصنعه صاحبه، فهو خلاصة مهمة تلخص المسألة كلها في جملة واحدة، وشكرا مرة أخرى لقراءتك الراقية، وإضافتك التي أثرت النص وأكملت دلالته، وتقبل فائق تحياتي واحترامي.
      أخوك :
      أبو سلطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.