كُتاب الرأي

اعترافات كاتب مقال

اعترافات كاتب مقال

محمد الفريدي

قبل أيام، سألني أحد الأصدقاء: (لماذا لا تكتب القصة، والرواية، والمسرحية، والشعر، وتصر على كتابة المقالات فقط، رغم أنني أعرف أنك تبدع في تلك المجالات أيضا؟).

ابتسمت وقلت له: (لأن المقال ليس مجرد رأي أكتبه، وإنما هو مساحة أفتش فيها عن نفسي، وأحاور الناس، وأحاول أن أفهم الحياة قبل أن أفسرها؛ فقد تمنحني الرواية عالما أوسع، وتمنحني القصة متعة (الرغي)، وتمنحني القصيدة موسيقى اللغة، لكن المقال يمنحني شيئا لا أجده في غيره؛ فهو يمنحني فرصة التفكير بصوت مرتفع).

وأعترف لك بشيء ربما لا يعرفه كثيرون؛ فقد بدأت كتابة كثير من المقالات وأنا أظن أن الفكرة مكتملة في ذهني، لكنني أثناء الكتابة وجدت نفسي أصل إلى نتائج لم تكن تخطر ببالي عندما أمسكت بالقلم، وعندها أدركت أن المقال لا يترجم الأفكار فقط، وإنما يصنعها أيضا، وأن الكاتب قد يكتشف نفسه وهو يكتب أكثر مما يكتشفها وهو يفكر.

وقلت له أيضا: (وعلى امتداد سنوات من كتابة المقالات، وصلتني رسائل من قراء لم ألتقهم يوما، أخبرني بعضهم أن مقالا واحدا غيّر نظرته إلى قضية كان يحكم عليها بتسرع، وقال آخر إن فكرة قرأها جعلته يعيد النظر في موقف قديم، وعندها أيقنت أن المقال قد لا يغيّر المجتمع دفعة واحدة، لكنه يستطيع أن يغيّر مواطنا، وإذا تغير مواطن تغير جزء من الوطن).

سكت صديقي، وبقيت أفكر في سؤاله، وأدركت أن الإجابة الحقيقية أطول من أن تختصر في دقائق، وأن السؤال نفسه يستحق مقالا كاملا، فالمسألة ليست: لماذا أكتب المقال؟ وإنما: لماذا يكتب الإنسان أصلا؟

ما الذي يدفعه إلى الجلوس ساعات طويلة أمام صفحة بيضاء، وهو يعلم أن الكلمات لن توقف حربا، ولن تعيد غائبا أو أمة أنهكها الطغيان، ولن تمحو وجعا استقر في القلوب؟

ولماذا يختار أن يكتب المقالات، مع أن العالم اعتاد أن يمنح التقدير لمن يملك المال والسلطة والقوة، لا لمن يملك ورقة وقلما ووقت فراغ؟

قد يبدو الجواب بسيطا، لكن الحقيقة أكثر عمقا. فكتابة المقال ليست وسيلة لتمضية الوقت، وليست استعراضا لغويا يتبارى فيه عشاق البلاغة، وإنما هي حاجة نفسية تولد عندما تصبح المشاعر والأفكار أكبر من أن تبقى حبيسة الصدر.

وعندما يعجز اللسان عن التعبير تتقدم الكلمات المكتوبة لتؤدي ما عجزت الكلمات المنطوقة عن قوله.

كل إنسان يعيش آلاف اللحظات، غير أن القليل منها يبقى، فالأيام تمر بنا بسرعة، وتتداخل الأحداث، وتتشابه الوجوه، ثم نكتشف بعد سنوات أن كثيرا مما عشيناه قد تلاشى من ذاكرتنا، وكأن الزمن يبتلع تفاصيل أعمارنا بلا رحمة.

وهنا تأتي كتابة المقالات لتقاوم هذا المصير؛ فهي ليست انتصارا على الزمن، وإنما هي محاولة صادقة لانتزاع شيء منه قبل أن يختفي.

كاتب المقال لا يكتب لأنه يعرف كل شيء، وإنما لأنه يحاول أن يفهم، فكثيرا ما يبدأ مقاله بسؤال لا يملك له جوابا، ثم يكتب، ويكتشف أثناء الكتابة أن اللغة لم تكن مجرد وسيلة للتعبير، وإنما وسيلة للاكتشاف.

فالجملة تقوده إلى فكرة لم تكن في ذهنه، وتفتح له تلك الفكرة أبوابا جديدة لرؤية نفسه والعالم.

لهذا لا تكون كتابة المقالات عندي نقلا للأفكار بقدر ما تكون ولادة لها، فهي رحلة داخل النفس قبل أن تكون حديثا مع الآخرين.

وقد ينتهي الكاتب من مقاله وهو يشعر أنه لم يكتب عن العالم فقط، وإنما كتب جزءا كان غائبا عن نفسه.

حياتنا بطبيعتها مزدحمة ولا تمنحنا وقتا كافيا لفهم ما يجري حولنا، وتتلاحق الأحداث، وتتزاحم القرارات، وتتداخل المواقف، فيتحول الواقع إلى لوحة مليئة بالتفاصيل التي يصعب قراءتها دفعة واحدة.

أما كتابة المقالات، فمن وجهة نظري، تمنح عقولنا فرصة لإعادة ترتيب هذا الازدحام، وتفصل بين ما هو متشابك، وتكشف الخفايا التي لم تكن ظاهرة.

ولهذا يستطيع كاتب المقال أن يرى ما لا يراه كثيرون؛ فهو لا يكتفي بوصف الوقائع، وإنما يحاول قراءة ما خلفها، ولا يتوقف عند التصريحات التي يسمعها، وإنما يبحث عما أخفته.

لأن الحقيقة ليست دائما في المشهد الظاهر، وإنما في ذلك الجزء الصامت الذي لا يلتفت إليه أحد.

ومن هنا جاءت قيمة المقالات الصادقة؛ فهي ليست مجرد كلمات تنشر في صحيفة أو موقع إلكتروني، وإنما نافذة لفهم الواقع.

والمقالات التي تبقى في ذاكرتنا ليست تلك التي تكرر التفاصيل، وإنما تلك التي تكشف ما وراءها، وتربط بين الحقائق، وتمنحنا زاوية جديدة للنظر.

والمقالات لا تصنع مواطنا مثاليا، لكنها تساعدنا على أن نرى أنفسنا بوضوح أكبر، فعندما نقرأ فكرة تختلف عن قناعتنا، ثم نجد أنفسنا نعيد التفكير فيها، ندرك أن الحقيقة أوسع من الرأي الواحد.

وهذا من أعظم أدوار المقالات؛ أنها توسع مساحة الحوار والتفكير، وتجعلنا أقل استعجالا في إصدار الأحكام.

لقد اعتدنا على السرعة، وأصبحنا نقرأ العناوين أكثر مما نقرأ المحتوى، ونحكم على الآخرين من مقطع قصير أو صورة خاطفة، ثم نمضي.

أما المقال الصادق، فيقاوم هذه العجلة؛ فهو يدعونا إلى التمهل، والتأمل، وإعادة النظر فيما اعتدنا عليه، ويذكرنا بأن قضايانا الكبرى لا يمكن اختزالها في سطر، ولا فهمها من زاوية واحدة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نطالب المقالات بما ليس من طبيعتها، فليس من مهمتها أن تسن القوانين، أو تدير الدولة، أو توقف النزاعات، فهذه وظائف الجهات الحكومية وصناع السياسات.

أما المقالات، فتعمل في مساحة أخرى أكثر هدوءا وأطول أثرا، فهي تغير المواطن من الداخل، وإذا تغير المواطن من الداخل، تغير ما يصنعه في الخارج.

وقد يظن بعض الناس أن المقالات الناجحة هي التي تقدم الإجابات الحاسمة، غير أن التجربة تثبت العكس، فالمقالات التي تعيش طويلا هي تلك التي تترك في النفس سؤالا لا ينتهي، ولا تدفع القارئ إلى ترديد رأي الكاتب، وإنما تدفعه إلى مراجعة آرائه.

فالمقال الذي يغلق باب التفكير يتلاشى بانتهاء قراءته، أما المقال الذي يفتح أبواب الأسئلة، فإنه يبدأ حياته الحقيقية بعد أن يفرغ القارئ من قراءته.

والجمال في المقال ليس زخرفة لفظية، ولا استعراضا للمفردات، الجمال الحقيقي أن يستطيع الكاتب أن يمنح الفكرة لغة واضحة، وأن يحول تجربته الخاصة إلى معنى يفهمه الجميع.

فحين يصوغ قضية معقدة بأسلوب صادق، فإنه لا يجمل الواقع، وإنما يجعله أكثر وضوحا، ويحول الفكرة من انطباع أولي إلى رؤية واضحة يمكن البناء عليها.

ولذلك كثيرا ما يشعر القارئ أثناء قراءة مقال جيد أن الكاتب يصف ما كان يدور في ذهنه، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة للتعبير عنه، والسبب أن القضايا البشرية تتكرر بأشكال مختلفة، ولا تختلف إلا في التفاصيل.

ومن الوظائف العظيمة للمقالات أنها تحفظ ما تحاول الذاكرة العامة تجاوزه، فالأخبار تركض خلف الجديد، أما المقالات فتتوقف عند المعنى، وتعيد قراءة الأحداث بعد هدوء الضجيج.

وتمنح الوقائع عمقا لا توفره العناوين السريعة، وبذلك تصبح المقالات وثائق فكرية، لا مجرد تعليقات مؤقتة على حدث.

كما أن المقالات تمنح اللغة حياة متجددة، فاللغة التي لا تدخل ميادين الفكر والنقاش تتحول مع الوقت إلى ألفاظ جامدة، أما حين تتفاعل مع قضايا المجتمع، فإنها تستعيد حيويتها، وتصبح أكثر قدرة على تفسير الواقع والتعبير عنه.

غير أن كتابة المقالات ليست دائما عملا شريفا، فقد يكتبها البعض طلبا للشهرة، أو سعيا إلى التصفيق، أو رغبة في صناعة صورة براقة لأنفسهم، وهذه دوافع بشرية مفهومة، لكنها لا تكفي لصناعة مقالات تبقى.

فالمقالات الصادقة المؤثرة هي التي تتجاوز صاحبها، وتستطيع بعد سنوات طويلة أن تخاطب قارئا لم يعرف اسم كاتبها، لكنه وجد في كلماتها ما يلامس واقعه أو يوقظ فكرة كانت نائمة في داخله.

ولهذا نرى كثيرا من المقالات التي أحدثت ضجيجا عند نشرها اختفت بمجرد انتهاء مناسبتها، بينما بقيت مقالات أخرى لأنها خاطبت جوهرنا البشري، ولم تكتف بملاحقة الأحداث اليومية.

ولعل أجمل ما تمنحه كتابة المقالات للكاتب أنها تجعله أكثر تواضعا، فكلما كتب أكثر، اكتشف أن ما يجهله أكبر مما يعرفه، وكلما قرأ أكثر، أدرك أن الحقيقة لا تنحصر في رأي واحد، ولا يحتكرها شخص واحد، وهذا الفهم هو بداية رجاحة عقله، وسداد رأيه، وفطنته، واتساع أفقه، وحسن تقديره للأمور.

لا نكتب المقالات لأن الكلمات تغير العالم في يوم واحد، وإنما لأن العالم يتغير ببطء داخلنا، ولا نقرأ المقالات لأننا نبحث عن معلومات جديدة فقط، وإنما لأننا نبحث عن طريقة أعمق لرؤية الحياة، وفهم الناس، وإدراك ما يجري حولنا.

قد لا يمنع المقال ظلما، ولا يوقف حربا، ولا يزيل ألما، لكنه يحافظ على ذلك الجزء النقي فينا؛ الجزء الذي يرفض القسوة، ويؤمن بالفكرة، ويتمسك بالتأمل، ويمنح الآخرين فرصة أن يفهموا بعضهم بعضا.

ولهذا ستبقى مقالاتنا الصادقة واحدة من أهم وسائل التأثير في مجتمعنا، فهي ليست مجرد كلمات تنشر ثم تنسى، وإنما شهادة على أن عقولنا ترفض أن تكتفي بالتفرج والصمت، واختارت أن تناقش، وأن تفسر، وأن تترك خلفها أثرا يبقى، حتى عندما يُغيب الموت أصحابها.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

تعليق واحد

  1. العزيز جدا / قائد حَراك الكتابة والمقال
    مبدع ومبهر ، فعلا … الكتابة لايمكن ان تكون وليدة اللحظة، بل هي فعل أزلي متجدد ينشأ ويتطور مع كل متغير يحيط بالكاتب وعالمه.
    ما أسميته [التفكير بصوت مرتفع]
    يجسد قول رائد المقال مونتين حين قال:”أنا نفسي مادة كتابي، أكتب لأصنع نفسي”.
    وكما أشرتَ ببراعة أن الكلمة قد لا توقف حرباً لكنها تُغير إنساناً، فهي كذلك والشواهد كثيرة،
    لقد صغت متعة الاكتشاف الشغوفة؛ حين يدخل الكاتب النص بسؤال ويخرج بوعي جديد.
    مقال فلسفي باذخ يلخص أزلية الحرف ومتعة المعرفة. بورك قلمك المتبصر والمُبصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.