شبابنا في مرمى المعارضين

شبابنا في مرمى المعارضين
محمد الفريدي
يقول أحد أصدقائي إن ابنه كان يجلس في غرفته ليلا، يُقَلِّب هاتفه بين مقطع وآخر، ولم يكن من الذين يبحثون عن السياسة، أو يتبنون أفكار المعارضين، أو يفكرون في مغادرة وطنهم، وإنما كان يبحث عن مقطع طريف، أو قصة، أو رأي، أو نقاش يقتل به بعض الوقت.
وظهر له رجل ذات يوم يتحدث من لندن، ثم آخر من كندا، بلغة حادة، وعبارات غاضبة، وقصص منتقاة، ومقاطع قصيرة مصممة بعناية، ويقول صديقي إنهما لم يبدآ مع ابنه بالسياسة، وإنما بدآ بسؤاله: لماذا لا تكونون أحرارا؟ ثم انتقلا إلى سؤال آخر: لماذا لا تستطيعون أن تقولوا في الداخل ما تريدون قوله عن آل سعود؟
لم يستطع ابنه أن يرد عليهما، وأصبح الوطن مع الوقت بالنسبة لابنه موضوعا للتشكيك، والقيادة خصما، والمجتمع ساحة اتهام، والذي كان يتابع من باب الفضول أصبح جزءا من تيار معارض لم يكن يريد الانتماء إليه.
وهنا تبدأ مشكلتنا الحقيقية: المعارضة لا تنتظر أن يبحث عنها أبناؤنا، وإنما تعرف كيف تصل إليهم عندما لا يبحثون عنها.
المشكلة ليست في وجود منشقين سعوديين يعيشون في لندن أو كندا، ولا في حقهم في التعبير والنقد والاختلاف معنا، وإنما في تحويل خطابهم إلى صناعة رقمية تستهدف عقول شبابنا، وتسوق لهم الغضب باعتباره حرية، والتمرد والقطيعة باعتبارهما شجاعة، والوقوف ضد الوطن باعتباره دليلا على الاستقلال.
نحن أمام ظاهرة يجب أن نقرأها بجدية، فالمعارضون في الخارج ليسوا على صورة واحدة؛ هناك من يطرح قضايا حقوقية أو سياسية، وهناك من يستخدم السخرية والإحباط، وهناك من يقدم محتوى منظما يستهدف عقول شبابنا، وبعض هؤلاء أصبح لهم حضور رقمي كبير، ويستفيدون من المنصات الأجنبية في مخاطبة أبنائنا، ودفع بعضهم إلى اللجوء ثم تحويلهم إلى معارضين و(Homeless)، لكن السؤال الأهم ليس: لماذا يتحدث هؤلاء؟ وإنما: لماذا يستمع إليهم شبابنا؟
شبابنا لا يصبحون معارضين في ليلة واحدة، وغالبا ما تبدأ قصصهم من فراغ معرفي، أو غضب شخصي، أو موقف لم يجدوا له تفسيرا، أو شعور بأنهم لا يجدون من يستمع إليهم، ثم يأتي إليهم أشخاص من الخارج ويقدمون لهم إجابات موجهة.
وعندما نترك أسئلتهم بلا إجابات، ولا نقدم لهم مساحات حقيقية للنقاش، سيبحثون عنها في الخارج، وإذا لم نُعَلِّمْهُمْ كيف يميزون بين إبداء الرأي والتحريض، وبين المعلومة والتضليل، وبين القصة الشخصية والحقائق، فإن أول مقطع مؤثر قد يكون كافيا لتحويل مواقفهم.
نحن لا نخسر شبابنا عندما يسمعون آراء مخالفة، وإنما نخسرهم عندما يسمعونها منفردين ودون شرح أو توضيح، فالإنترنت لا يقدم لهم الحقائق كاملة، وإنما يقدم لهم ما يجعلهم يستمرون في المشاهدة، فإذا شاهدوا مقاطع غاضبة متتالية عن الوضع في الداخل، ستبدأ الخوارزميات في تقديم المزيد منها لهم، حتى يشعر بعضهم أن ما في وطنهم خطأ، وأن المعارضين هم الوحيدون الذين يمتلكون الحقيقة.
هذه ليست معركة تقليدية، وإنما معركة على تشكيل وعي أجيالنا الحالية والقادمة، ولهذا لا يكفي أن نهاجم المعارضين، أو نقول لشبابنا: لا تصدقوهم، أو نصف كل محتوى مغاير بأنه مؤامرة أو حملة موجهة.
نحن بحاجة إلى شباب يستطيعون سماع الرأي الآخر دون أن يسقطوا في فخه، وإبداء الرأي دون أن يتحولوا إلى تابعين لأحد، والاختلاف دون أن يكرهوا وطنهم، والدعوة إلى تصحيح الأخطاء دون أن يتحولوا إلى أدوات في يد أي جهة.
ويجب أن نُعَلِّمُ أبناءنا التفكير المنطقي وأساليب الإعلام المُضَلِّل منذ مراحل مبكرة، وأن يعرفوا كيف يتحققون من المصادر، وَيُفَرِّقُونَ بين الخبر والرأي، ويكتشفون التلاعب بالصور والمعلومات، ويفهمون العناوين المُضَلِّلَة، ويَعُونَ أن صاحب المقطع قد يقدم لهم عشرة حقائق صحيحة، ثم يقودهم في النهاية إلى نتيجة خاطئة.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نعيد تعريف العلاقة بين الشباب ومؤسساتنا، فالشباب الذين يجدون طرقا واضحة للتعبير عن آرائهم داخل وطنهم أقل عرضة للارتماء في أحضان البدائل الخارجية، والذين يستطيعون أن يسألوا ويناقشوا ويقترحوا وينتقدوا ضمن الأطر النظامية وفي العلن، لن يكونوا محتاجين إلى أشخاص يعيشون في لندن وكندا حتى يخبروهم أن كلمتهم مسموعة.
نحن بحاجة إلى مساحات وطنية للنقاش، وحوارات حقيقية مع الشباب، وإعلام قادر على الإجابة، وكتاب وصحفيين ومختصين يصلون إلى المنصات التي يوجد فيها الشباب، لا أن ينتظروا حضورهم إلى الصحف التقليدية، فمن لا يصل إلى شبابنا اليوم في منصاتهم، سيترك عقولهم لمن يصل إليها أولا.
فالخصم الحقيقي اليوم ليس شخصا يحمل كاميرا في لندن أو كندا، وإنما الفراغ، فإذا تركنا الفراغ ملأه الآخرون، وإذا تركنا الأسئلة بلا إجابات قدموا إجاباتهم، وإذا تركنا شبابنا يبحثون وحدهم عن تفسير لما يدور حولهم، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يجدون تفسيرات أخرى لا تتفق معنا ولا مع رؤيتنا.
ولهذا يجب أن تكون مؤسساتنا أسرع في مواجهة الشائعات والمعلومات المُضَلِّلَة، ففي زمن المنصات يستطيع الخبر الكاذب الوصول إلى ملايين الناس قبل أن يصدر رد رسمي، ونحن لا نريد بيانات طويلة تصل بعد أن تتشكل القناعة، وإنما نريد إجابات سريعة، ومعلومات موثقة، ومتحدثين يفهمون لغة المنصات، وشبابا سعوديا يناقش شبابا سعوديا.
ولا يعني ذلك أن نصنع خطابات دعائية مضادة، فالشباب أذكى من أن يقتنعوا بالرسائل الموجهة لمجرد أنها وطنية، ونحن بحاجة إلى الحقيقة، حتى عندما تكون أقل إثارة من المقطع المعارض، وإلى الاعتراف بالخطأ عندما يقع، وشرح القرارات عندما يثار حولها الجدل، وعدم ترك التفاصيل الصغيرة تتحول إلى وقود لحملات معادية واسعة.
إن أقوى رد على المعارضين ليس الصراخ في وجوههم، وإنما بناء مجتمع واثق من نفسه، يعرف تاريخه، ويفهم حاضره، ويرى مستقبله، ويعرف أن الوطن ليس حكومة أو مؤسسة أو شخصا فقط، وإنما هو المواطن والمكان والذاكرة والأمن والمستقبل والهوية والمصير المشترك.
نحن لا نريد شبابا يتحاشون النقد، وإنما نريد شبابا يستطيعون أن ينتقدوا ويختلفوا ويسألوا ثم يبقوا جزءا من الوطن، نريد جيلا لا يحتاج إلى أن يهرب من هويته حتى يشعر بأنه حر، فالحرية الحقيقية لا تعني أن نكون ضد كل شيء، كما أن الوطنية لا تعني أن نوافق على كل شيء.
وهنا يجب أن نكون أكثر شجاعة في مواجهة المشكلة، فلا نتصدى لشبابنا لأنهم شاهدوا أو تابعوا معارضا، وإنما نواجه الخطر عندما يتحولون من مشاهدين إلى تابعين، ومن سائلين إلى حاملي شعارات، ومن مواطنين يسألون ويناقشون إلى أشخاص يرون وطنهم كله من خلال شاشات أشخاص يعيشون في دول أخرى، فنحن لا نخشى الرأي المخالف، وإنما نخشى أن يصبح هو المصدر الوحيد لتشكيل وعي شبابنا.
المعارضون يستطيعون أن يصنعوا محتوى جذابا يلفت الانتباه، لكن يجب ألا يصنعوا به وعينا، وهذه مسؤوليتنا جميعا: الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والجامعة، والمؤسسات الثقافية، والكُتّاب والكَاتِبَات، وصناع المحتوى، وكل من يستطيع أن يقدم لشبابنا معرفة حقيقية ومساحات آمنة للنقاش.
نحن لا نستطيع أن نغلق العالم أمام أبنائنا، ولا ينبغي أن نفعل ذلك، لكننا نستطيع أن نمنحهم عقولا يقظة ومستقلة لا يسهل اختراقها، وعندما يصبح شبابنا قادرين على الاستماع إلى الجميع، والتحقق من الجميع، ومحاورة الجميع، فلن تكون لندن ولا كندا ولا أي مدينة أخرى قادرة على السيطرة على عقولهم.
المعركة ليست مع الذين خرجوا من الوطن، وإنما مع من يريدون أن يتسللوا إلى عقول أبنائنا من دون أن نكون حاضرين، والأخطر أن بعض هؤلاء لا يريدون من شبابنا أن يفكروا، وإنما يريدون منهم أن يغضبوا، لأن الغضب أسرع طريق لتحويلهم من قراء ومستمعين ومناقشين إلى تابعين ومنقادين.
يكفي أن نكرر أمام الشاب أن وطنه لا يراه شيئا، وأن مستقبله مسروق، وأن نجاحاته وهم، وأن كل قرارات الوطن مؤامرة، حتى يتحول الإحباط إلى قناعة، والقناعة إلى عداء، وهنا يصبح صاحب الحساب المعارض بالنسبة لبعض الشباب أكثر من مجرد متحدث، ويتحول إلى مرشد أعلى، ثم إلى مرجعية، ثم إلى صوت وحيد يتحدث باسمهم.
فلا يجوز أن نترك أبناءنا يرون وطنهم من خلال من غدروا به وغادروه، ويحصرون دولتنا في الأخطاء، وتاريخنا في الخيانات، ومستقبلنا في المظاهرات، فوطننا ليس بلا أخطاء، ولا توجد دولة في العالم تخلو من السلبيات، والفرق هائل بين المواطن الذي يريد تصحيح الأخطاء، ومن يريد تحويلها إلى كراهية للوطن، فالأول يرى الخطأ سببا للتصحيح، بينما يرى الثاني الخطأ ذريعة لهدم كل ما هو إيجابي في الوطن.
نحن نحتاج إلى نقد يفتح أبواب التقويم، لا إلى خطاب يغلق أبواب الأمل، وإلى كُتّاب يرون الخطأ ويصححونه، لا ليجعلوا منه دليلا على أن الوطن كله أخطاء.
ونحتاج أن نقول لشبابنا بوضوح: لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة؛ لا المعارضون الذين يتحدثون من لندن، ولا المتطاولون علينا من كندا، ولا المسؤولون الذين يتحدثون من الداخل، ولا المؤثرون الذين يمتلكون ملايين المتابعين.
الحقيقة تحتاج إلى دليل، والنقد يحتاج إلى دراية، والاتهام يحتاج إلى إثبات، أما تحويل كل حادثة إلى دليل على فساد مؤسساتنا، وكل أزمة نمر بها إلى مؤامرة، وكل اختلاف إلى قمع، فهذه ليست صناعة وعي وطني متزن، وإنما صناعة رفض وسخط واحتقان وتحريض وغليان.
ونحن لا نريد لشبابنا أن يكونوا أسرى للغضب، وإنما نريد لهم عقولا تسأل، وتتحقق، وتفكر، وتعرف أن حب الوطن لا يعني تجاهل أخطائه، كما أن نقد الأخطاء لا يعني كراهية الوطن.
نريد أن نكسر احتكار أصحاب الخطاب المعارض في الخارج لقراءة الأحداث وصناعة صورة الوطن، فإذا كانوا يصنعون مقاطع مدتها دقيقتان تؤثر في أبنائنا، فعلينا أن نصنع معرفة تستطيع الوصول إليهم في دقيقة، وإذا كانوا يستخدمون القصص الشخصية ضدنا، فعلينا أن نسمعهم قصصنا التي لم يسمعوها، وإذا كانوا يطرحون الأسئلة الحساسة، فعلينا ألا نخاف من طرح الأسئلة.
المشكلة ليست في أن يسمع شبابنا المعارضين في لندن وكندا، وإنما في أن يصبح هؤلاء المعارضون الأصوات الوحيدة التي يسمعونها، والتي تمثلهم، وهنا لا ينفع منعهم، ولا سجنهم، ولا تخويفهم، ولا التشهير بهم، وإنما ينفع أن نكون أقوى حجة، وأصدق معلومة، وأقرب إلى الشباب.
فنحن لا نريد جيلا يخاف من محاورة المعارضين تحت أي ذريعة، وإنما جيلا لا يستطيع هؤلاء أن يسرقوا منه ثقته بنفسه ووطنه وقيادته؛ جيلا يسمع الآراء المختلفة دون أن يفقد قدرته على التفكير، ويسأل دون خوف، ويبحث عن الحقيقة قبل أن يُصَدِّق ما يقال له، والمهم ليس أن نغلق نوافذنا، وإنما أن نفتح عقولنا قبل أن يفتحها الآخرون بالطريقة التي يريدونها، وأن نمنح شبابنا من المعرفة والثقة ما يجعلهم قادرين على اختيار ما يؤمنون به بأنفسهم.
كاتب رأي




مقال جميل واتمنى من كل اسره قرأته .
اسأل الله ينفع بما تكتب ويحفظ الوطن
وولاته ومقدساته ومقدراته ومكتسباته
وابناء الوطن عدته وعتاده …
المقال جميل وجدير بالإهتمام، ومقترحات تستحق التبني لوقاية الاجيال
، عشت ودام قلمك السيال …. تحياتي.
مقال تاريخي ويستحق ان يصل لعين كل مواطن سعودي ليقرأ ويُفهم ويدرك ، بل ان يستحق بمنهج ضمن برامج مركز الحوار الوطني
فيه المشكلة والتشخيص والتدخل الصحيح للحل .
ابدعت ياقيصر الكلمة