أصحاب الأثر

زارع الأمل في أفريقيا

زارع الأمل في أفريقيا

محمد الفريدي

بدأت فكرة كتابة هذا المقال عندما أكرمني أستاذي الفاضل، العميد السابق بجامعة البترول، الدكتور الأديب إبراهيم عباس نـَتـّّو – حفظه الله – بإرسال مقال موجز عبر الواتساب، منشور في صفحة (مشاهير وأعلام غامد)، يسلط الضوء على شخصية سعودية ملهمة تعرف بـ(أبو الأيتام).

والحقيقة أنني، وحتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف عن هذا الرجل شيئا يذكر، غير أن ما قرأته عن إنجازاته الباهرة وتضحياته العظيمة أخذ بمجامع قلبي، وأثار في نفسي إعجابا كبيرا بمنجزاته الميدانية في القارة الإفريقية، وتمنيت لو أنني شريك له في هذا المشروع الخيري العظيم.

ولم يسعني، أمام هذا الانبهار المستحق، إلا أن أستأذن أستاذي الدكتور إبراهيم عباس نـَتـّّو في كتابة مقال يوفي هذه الشخصية حقها، فما كان منه – كعادته في تشجيع الفكر والأدب – إلا أن أذن لي، وبارك هذه الخطوة.

ففي سجلنا الخالد، هناك رجال لا يقاس عمرهم بالسنين التي عاشوها، وإنما بالأثر الذي تركوه، وبالأرواح التي انتشلوها بلمساتهم من ظلمات الفقر واليأس إلى آفاق العلم والأمل.

اليوم أكتب عن قامة سعودية وجهت بوصلة حياتها نحو أقصى الأرض، لترسم بسمة طال انتظارها على وجوه أطفال طواهم النسيان.

إنه علي الغامدي، المعروف بـ(أبو الأيتام) أو بـ(سفير الأيتام في أفريقيا)، الرجل الذي اختار طريق التضحية والوفاء، فاتخذ من الشيخ الكويتي الراحل الدكتور عبدالرحمن السميط، رحمه الله، قدوة، وصنع من معاناته الشخصية وقصته الذاتية نقطة انطلاق لملحمة عطاء امتدت قرابة عقدين من الزمن.

لم تكن بداية رحلته في عالم العمل الخيري مجرد قرار ارتجالي أو نزهة تطوعية، وإنما كانت تحولا عميقا ارتبط بقصة مؤثرة داخل بيته الصغير.

فقد كان الغامدي يعمل، في بداية حياته المهنية، مدربا في مجال الطيران والهندسة، ويتمتع باستقرار مهني ومادي، إلا أن حياته الشخصية شهدت اختبارا صعبا تمثل في تأخر الإنجاب.

وفي لحظة تجلت فيها الإرادة والرضا، اتفق مع زوجته – التي يصفها دائما بأنها المحرك الأساسي، والداعم الأول، والدافع الحقيقي في مسيرته – على كفالة طفل يتيم، طمعا في القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء مرضاة الله.

لم تكن تلك الكفالة مجرد عمل خيري مؤقت، وإنما كانت مفتاحا للرحمة والبركة؛ فما إن مضت فترة وجيزة على اتخاذ ذلك القرار الإنساني النبيل، حتى رزق الله الزوجين بالحمل والإنجاب.

كانت هذه الواقعة بمثابة نقطة التحول الجوهرية والمفصلية في حياتهما، فقد شعر الزوجان بعظمة البركة ولطف الله، فنذرا نفسيهما وحياتهما لرعاية الأيتام والمحتاجين، وتحول حلم الرعاية الأسرية المحدود إلى رسالة عالمية تتسع لآلاف الأيتام في مختلف القارات.

في بدايات عام 1423هـ، بدأ علي الغامدي يرسم ملامح مشروعه الإنساني الميداني، وفي هذه المرحلة التأسيسية برزت في حياته شخصية رائدة أثرت في مسار عمله شكلا ومضمونا، وهي شخصية الشيخ الداعية الراحل عبدالرحمن السميط – رحمه الله -، ملهم العمل الخيري في القارة الأفريقية.

التقى الغامدي بالشيخ السميط في مناسبات متعددة، واستمع إلى توجيهاته وتجاربه الميدانية الغزيرة، ونشأت بينهما أواصر من التوجيه والدعم المعنوي، فنهل من مدرسة السميط التواضع الصادق، والنزول المباشر إلى الميدان، والصبر على مشاق الطرق والأوبئة، والعمل بعيدا عن أضواء الشهرة وعدسات الكاميرات.

واتخذ من السميط قدوة ومثالا يحتذى به، وآمن بأسلوبه في الوصول إلى القرى النائية والقبائل المعزولة، ليحمل الراية من بعده، ويواصل غرس بذور الخير في التربة السمراء التي أحبها السميط.

تنقل علي الغامدي في بدايات رحلته بين دول شرق آسيا، مثل كوريا الجنوبية، وماليزيا، والفلبين، وهونغ كونغ؛ بهدف الاطلاع على أفضل الممارسات والتجارب العالمية في مجال رعاية الأيتام وبناء المؤسسات الاجتماعية.

لكن قلبه وتوجهه المستقبلي كان يتجه بنحو أكبر نحو القارة الأفريقية، حيث الحاجة الأشد والفقر والأيتام الذين بلا مأوى.

فجاب أكثر من 28 دولة أفريقية، منها تشاد، وكينيا، وأوغندا، وسافر بين قراها النائية ومجاهلها المعزولة، ولم تكن هذه الجولات مجرد زيارات تفقدية خاطفة، وإنما أسفرت عن إنجازات ميدانية ضخمة تترجم اليوم بلغة الأرقام والمؤشرات المؤكدة.

وكفل أكثر من 7,000 إلى 10,000 يتيم كفالة مباشرة ودائمة، شملت المأكل والمشرب والكسوة والتأهيل.

ودعم أكثر من 2,000 أسرة فقيرة من أسر الأيتام، لضمان استقرارها الاجتماعي وتوفير المعونات الشهرية والاحتياجات الأساسية.

وأسس ودعم وطور من 3 إلى 4 دور نموذجية للأيتام مملوكة ومدارة بالكامل، إلى جانب تقديم الدعم المالي والتعليمي لـ 21 دارا أخرى منتشرة في عدة دول أفريقية.

وأنشأ 3 مدارس مجهزة بالكامل، توفر التعليم المعرفي والتحصيل العلمي المنهجي لأكثر من 1,200 يتيم.

ونفذ عشرات المبادرات لإنشاء المساجد، وحفر الآبار، وتنفيذ مشاريع السقيا في المناطق التي تعاني من شح المياه والجفاف.

وتتجسد قيمة تجربة أبو الأيتام علي الغامدي في أنه لم يتعامل مع العمل الإنساني على أنه مجرد تقديم إغاثة طارئة أو سلة غذائية ينتهي أثرها بانتهاء محتواها، وإنما انطلق من فلسفة شاملة تؤمن بتمكين الإنسان وبناء كرامته، ويردد دائما شعاره: (سلاح اليتيم الوحيد هو العلم والشهادة).

ورعايته لليتيم لا تقف عند حدود المأكل والمشرب والملبس، وإنما تبدأ بتزويده بالمعرفة وتسليحه بالشهادة العلمية، ليتحول من متلق للمعونة إلى إنسان مستقل يصنع مستقبله ويسهم في خدمة مجتمعه.

واستنادا إلى هذه الرؤية، يفتخر الغامدي اليوم بثمار جهوده التي أثمرت عن تخرج مئات الأيتام الذين كفلهم، وأكملوا تعليمهم العالي، وأصبح منهم أطباء ومهندسون وطيارون ومعلمون، يقودون اليوم مجتمعاتهم المحلية نحو التنمية.

أما على صعيد الإيواء، فقد تبنى الغامدي نهجا راقيا يبتعد عن إبقاء الأيتام في الملاجئ والدور المغلقة المكتظة. واعتمد مفهوم (الأسر البديلة)، الذي يقوم على إبقاء اليتيم في بيئته الاجتماعية الطبيعية، ورعايته داخل أسرة ممتدة أو بديلة في مجتمعه، مع تكفل الغامدي بتقديم مخصصات ومعونات مالية ومعيشية شهرية لهذه الأسر.

ويضمن هذا النهج للطفل تنشئة نفسية واجتماعية متزنة في أحضان بيئة أسرية دافئة، ويحميه من الآثار النفسية لعزلة دور الأيتام.

إن ما منح مسيرة علي الغامدي بعدا إنسانيا فريدا هو اعتماده الذاتي الكامل وتجرده التام، فلم ينتظر ميزانيات ضخمة من مؤسسات أو هيئات أو دول، وإنما بدأ بالاعتماد على ماله الخاص ومستحقاته المالية الشخصية بعد تركه عمله في الطيران.

وتجاوز الأمر ذلك إلى حصوله على قروض بنكية شخصية بمديونيات طويلة الأجل لتمويل مشاريع الأيتام، ودفع رواتب معلمي المدارس، وحفر الآبار، وفي تصريحاته الإعلامية يذكر الغامدي بتواضع جم أنه لا يمتلك عقارا ولا منزلا باسمه، وإنما يقيم مع عائلته في شقة مستأجرة، معتبرا أن الاستثمار الحقيقي هو التجارة مع الله.

وقد حرص طوال مسيرته الميدانية على تقديم النموذج المشرق والمشرف للمواطن السعودي، والتعامل بأخلاق رفيعة وإنسانية مع جميع البشر، دون أي تفرقة قائمة على اللون أو الجنس أو العرق أو الدين، وهو ما جعله محل احترام وتقدير على المستويين المحلي والدولي في الدول التي عمل فيها.

على الرغم من حرص الغامدي على العمل سنوات طويلة بعيدا عن أضواء الإعلام، فإن الأثر الطيب لا يمكن حجبه، وفي عام 2020م وصل أثر عمله الميداني إلى المحافل الإقليمية الكبرى.

وتوج ضمن قائمة الخمسة الأوائل في الدورة الثالثة لمبادرة (صناع الأمل)، التي كرمه فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، متفوقا من بين أكثر من 92 ألف ترشيح من مختلف دول العالم العربي.

اعتبر علي الغامدي هذا التكريم ليس نهاية المطاف، وإنما نقطة تحول فارقة نقلت عمله الإنساني من نطاق الجهود الفردية الميدانية إلى مسار العمل المؤسسي والتوثيق.

كما أسهم هذا التحول في إيصال صوت الأيتام والمحرومين في القرى الأفريقية النائية إلى العالم، وأكد قدرة الفرد على إحداث فارق يتجاوز الحدود.

لكن، وأمام هذا الصنيع العظيم والتكريم الذي حظي به (أبو الأيتام) خارج الوطن، يبرز تساؤل مشروع: ألا يستحق هذا النموذج الوطني أن يحظى بالتكريم في وطنه؟ فقد قدم الغامدي نموذجا فريدا في العطاء الفردي والتضحية.

ومن الجميل أن يحظى بالتقدير، وأن يسلط الضوء عليه باستمرار في وطنه، كما حظي به في المنصات الإقليمية والعالمية، تقديرا لجهوده الإنسانية التي امتد أثرها إلى آلاف الأيتام والأسر المحتاجة.

إن علي الغامدي لم يكن مجرد رجل إغاثة، وإنما كان سفيرا للقيم السعودية والإسلامية النبيلة، وتكريمه يمثل تقديرا لمسيرة إنسانية ملهمة، ورسالة تشجع كل من يسهم في خدمة الإنسان وبناء الأثر، بأن جهوده محل تقدير واعتزاز في وطنه.

ولم تكن قصته مجرد سيرة ملهمة أو حكاية عن جمع التبرعات، وإنما كانت درسا حيا في الإرادة والإيمان، وتجسيدا لقدرة المواطن السعودي على تحويل التحديات الشخصية إلى منجزات إنسانية يمتد أثرها عبر القارات.

لقد أثبت الغامدي أن القدوة حين تصدق — كما تمثل في اقتدائه بالشيخ عبدالرحمن السميط — تصنع بدورها قدوات جديدة ينيرون ظلمة هذا العالم.

ورحلته رسالة إلى كل قارئ وكاتب ومفكر بأن الأثر الحقيقي لا يقاس بما نملكه من مال ومتاع، وإنما بما نتركه في قلوب الآخرين من أمل وحياة.

وسيظل اسم (أبو الأيتام) محفورا بأحرف من نور في ذاكرة آلاف الأطفال الذين أصبحوا، بفضل الله ثم بفضله، أطباء ومهندسين ورجال غد يخدمون أوطانهم والإنسانية، فشكرا له على هذا الإنجاز، وهذا العطاء المشرف الذي يستحق تسليط الضوء عليه، وفاء لما قدمه من عمل إنساني سيبقى أثره شاهدا عليه لأجيال قادمة.

رئيس التحرير

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.