لسنا مكبًّا لأخطائكم

لسنا مكبًّا لأخطائكم
محمد الفريدي
طفح الكيل من الصمت، ومن المجاملة، ومن التعامل مع بلادنا وكأنها ساحة مفتوحة يلقي فيها الآخرون أخطاءهم، ثم يطالبوننا بتنظيفها، وتحمُّل تكاليفها، والاعتذار عنها أيضًا! فنحن لسنا مَرْمَطَةً لأحد.
ولسنا برميل نفايات تُلقى فيه حماقات الأنظمة، وفشل الحكومات، وخيانات الجماعات، ومغامرات السياسيين، ثم تُوجَّه إلينا أصابع الاتهام بأننا السبب في كل كارثة وقعت في المنطقة.
لقد أصبح من السهل على كل عاجز أن يعلّق فشله علينا، وعلى كل حكومة أخفقت في حماية شعبها أن تجعلنا شماعة لأخطائها، وعلى كل حزب دمّر وطنه أن يحمّلنا مسؤولية ما ارتكبه، بعدما باع قراره للخارج، وسلّم بلاده للمليشيات، وحوّل مؤسساتها إلى أدوات في خدمة مشروع طائفي أو حزبي أو شخصي.
يدمرون أوطانهم بأيديهم، ثم يسألون عمّا قدمته لهم السعودية، ويسرقون ثروات شعوبهم، ثم يطالبونها بالدفع، ويتحالفون مع أعداء المنطقة، ثم يطلبون منها إنقاذهم، ويفتحون أبواب بلدانهم للفوضى والسلاح والمليشيات، ثم يتهمونها بالتقصير عندما تحترق البيوت فوق رؤوسهم.
أي منطق مريض هذا؟ وأي وقاحة سياسية تسمح للفاشل بأن يحاكم الناجح، وللمتآمر بأن يلوم من حاول إنقاذه، ولمن رفض كل الحلول أن يطالبنا بدفع ثمن عناده؟
لقد آن الأوان أن نقولها بصوت واضح: السعودية ليست خزينة مفتوحة لكل مفلس، ولا مستشفى مجانيًا لكل من يجرح نفسه بسكين الخيانة، ولا رجل إطفاء يُستدعى بعد أن يشعل الحمقى النار في بيوتهم.
لقد قدمت المملكة للدول والشعوب مساعدات ومواقف ومبادرات تكفي لملء صفحات كثيرة من تاريخها، ولم تكن يومًا دولة تتاجر بجراح الآخرين أو تستغل حاجتهم. وقفت مع الأشقاء، وأغاثت المنكوبين، ودعمت الاستقرار، واستقبلت الملايين.
وتحملت من الأعباء السياسية والاقتصادية والأمنية ما لم تتحمله دول ترفع أصواتها علينا صباحًا ومساءً. ومع ذلك، يظهر من يتعامل مع هذا العطاء وكأنه واجب مستمر لا نستحق مقابله حتى كلمة شكر، ثم يتحول عند أول اختلاف إلى خصم يطعننا من الخلف.
نحن لا نمنّ على أحد، لكننا نرفض أن يتحول كرمنا إلى حق مكتسب للانتهازيين، وأن يُفسر صبرنا على أنه ضعف، وأن تصبح مساعداتنا وسيلة لتمويل من يهاجموننا. من يقف معنا، نحمله فوق رؤوسنا.
ومن يحترمنا، نحترمه، ومن يمد يده إلينا بصدق، يجدنا إلى جانبه، أما من يأخذ أموالنا ثم يفتح منابره لشتمنا، أو يستخدم دعمنا في تقوية جماعة معادية لنا، فلا يستحق منا ريالًا واحدًا ولا موقفًا واحدًا.
مشكلتنا أنهم يريدوننا أقوياء عندما نحميهم، وأغنياء عندما نمولهم، وصامتين عندما يهينوننا، وغائبين عندما تتعارض مصالحنا مع أطماعهم، ويطالبوننا بأن ندفع من دون أن نسأل، ويتوقعون منا أن نقاتل مع ميليشياتهم.
ويريدوننا أن نفعل ذلك من دون أن نملك حق الرفض، وأن نتحمل نتائج حروبهم من دون أن نعترض، وأن نفتح حدودنا لهم في كل أزمة صنعوها، ثم نصمت احترامًا لما يصفونه بِالأُخُوَّةِ والعروبة وحسن الجوار.
الأُخُوَّةُ لا تعني أن نُضَحِّي بمصالحنا إرضاءً لأحد، وحسن الجوار لا يعني أن نسمح بتحويل الدول المجاورة إلى منصات تهدد أمننا، والعروبة ليست صكًا مفتوحًا يبيح للآخرين ابتزازنا.
من يريد أُخُوَّتنا، فعليه أن يحترم سيادتنا، ومن يريد مساعدتنا، فعليه أن يكون حليفًا صادقًا، ومن يريد أن تحميه المملكة، فعليه أولًا أن يتوقف عن احتضان من يستهدفونها.
حتى بعض وسائل الإعلام العالمية تتعامل معنا بالطريقة نفسها. عندما ننجح، يشككون في نجاحنا، وعندما نتقدم، يقللون من إنجازاتنا، وعندما ندافع عن أمننا، يتهموننا بالإرهاب والتطرف، ويفتشون عن أخطائنا في كل زاوية.
وعندما نصمت، يحرّفون معنى صمتنا بالطريقة التي تخدم مصالحهم، ويتجاهلون أخطاء أكبر ترتكبها دول أخرى. يقيسوننا بمعايير لا يطبقونها على أنفسهم، ويطالبوننا بمثالية لا يطلبونها من حلفائهم.
لسنا دولة قاصرة حتى يمنحنا الآخرون شهادة حسن سيرة وسلوك، ولسنا بحاجة إلى إذن من صحيفة أجنبية لحماية حدودنا، ولا من منظمة منحازة للدفاع عن مصالحنا، ولا من سياسي فاشل متقاعد.
لا يحق لأحد أن يحدد لنا ما يجوز وما لا يجوز. لدينا دولة تعرف طريقها، وقيادة تدرك حجم التحديات، وشعب يعرف قيمة وطنه، ولن نسمح لأحد بأن يحولنا إلى متهمين دائمًا في محكمة يديرها خصومنا ويمولها أصحاب المصالح.
والأشد استفزازًا أن بعض أصحاب الأصوات العربية لا يتذكروننا إلا عند الحاجة. إذا وقع زلزال، بحثوا عنا، وإذا اندلعت حرب، طالبونا بالتدخل، وإذا انهار اقتصادهم، طرقوا أبوابنا.
وإذا استقرت أوضاعهم، عادوا إلى شتمنا والتحريض علينا. يريدون مالنا ولا يحترمون قرارنا، ويحتاجون قوتنا ثم يخافون منها، ويعتمدون على دعمنا ثم يهاجمون رؤيتنا.
لقد انتهى زمن الشيكات على بياض، والمواقف المجانية، والعلاقات التي تأخذ منا كل شيء ولا تمنحنا حتى الاحترام. أموالنا ملك لشعبنا، وقوتنا لحماية وطننا.
ومواقفنا تُبنى على مصالحنا الوطنية، ومن لا يعجبه ذلك، فليعتمد على نفسه، وليدفع ثمن خياراته، وليتوقف عن مد يده إلينا وهو يُخفي خلف ظهره خنجرًا.
لسنا مسؤولين عن إصلاح كل دولة أفسدها قادتها، ولا عن إعادة بناء كل وطن هدمته أحزابه، ولا عن إطعام كل شعب نهبت مليشياته وقياداته موارده.
ولسنا مسؤولين عن حماية كل نظام جنى على نفسه. نحن دولة تساعد الآخرين، لكننا لسنا جمعية خيرية، ونقف مع أشقائنا، لكننا لسنا رهينة لشعارات عاطفية يرفعونها عند الحاجة، ثم يرمونها بعد أن يأخذوا دعمنا. ومن يظن أن مساعدتنا حق مكتسب، فعليه أن يفهم أن أموالنا ومواقفنا ومصالحنا ليست ثمنًا لرضا أحد.
وعلينا نحن أيضًا أن نتوقف عن تبرير مواقفنا أمام كل من يهاجمنا. لسنا مطالبين بأن نشرح كل موقف لمن قرر مسبقًا إدانتنا، ولا أن نسترضي من جعل معاداتنا مصدر رزقه.
ولسنا مطالبين بملاحقة كل كاذب لإقناعه بالحقيقة. المطلوب أن نفضح أكاذيبهم بقوة، وأن نرد على الإساءة بالإساءة، وأن نحاسب كل جهة تستفيد من دعمنا، ثم تستخدمه ضدنا.
التسامح قيمة عظيمة، لكنه لا يعني الاستسلام. والكرم خُلُق أصيل، لكنه لا يعني السذاجة. والصبر قوة، لكنه لا يعني السماح للآخرين بامتهاننا. من يحترمنا، سيجد منا الوفاء.
ومن يتعامل معنا كغنيمة، سيجد أبوابنا مغلقة، ومن يعتقد أن صمتنا عجز، سيكتشف أن لنا قرارًا لا يُبتز، وكرامة لا تُشترى، وحدودًا لا نسمح بتجاوزها.
نحن لسنا مكبًّا لأخطائكم، ولا صندوقًا لتمويل فشلكم، ولا جدارًا تعلقون عليه فضائحكم. نظفوا أوطانكم من الفساد، وحرروا قراراتكم من التبعية.
واضبطوا سلاح مليشياتكم، وحاسبوا لصوصكم، ثم تحدثوا معنا عن المسؤولية. أما أن تصنعوا الكارثة بأيديكم، ثم تأتوا إلينا مطالبين بالمال والاعتذار، فزمن ذلك قد انتهى، ويجب ألا يعود.
وعلى من اعتاد أن يرمي علينا فشله، ثم يطالبنا بتحمُّل نتائجه، أن يفهم أن بلادنا ليست ساحةً لتكديس أخطاء الآخرين، ولا خزينةً لتمويل عبثهم، ولا ستارةً يخفون خلفها خياناتهم. سنقف مع الصادقين، ونساعد المحتاجين، ونحمي من يحترمنا، لكننا لن ندفع ثمن من فرّط في وطنه، ثم جاء يطالبنا بإنقاذه.
لقد انتهى زمن الصمت على الإهانة، وعلى تحويل كرمنا إلى ضعف، وصبرنا إلى إذن مفتوح للابتزاز. مملكتنا تعرف قدرها، وشعبها يعرف حقه، ومن أراد تعاوننا، فليأتنا بموقف صادق ويدٍ نظيفة، أما من جاء يحمل فشله وخنجره معًا، فعليه أن يتحمل عَفَنَ ما صنعه وحده؛ فنحن وطن لا يُهدَّد ولا يُهان، ولسنا مكانًا تُلقى فيه نفايات الحمقى.


