كُتاب الرأي

نورة

نورة

بقلم د.عبدالرحمن الوعلان

ونحن نستذكر تاريخ الوطن، لابد أن نذكر نورة؛ لأن التاريخ لا تصنعه الأحداث وحدها، ولا تختصره أسماء الرجال الذين تصدرت أسماؤهم صفحاته، وإنما تصنعه أيضًا تلك الشخصيات التي وقفت خلف المشهد، وصبرت، وكافحت، وحملت أعباء الحياة، وأسهمت في صناعة اللحظة التي غيّرت وجه الوطن. ونورة بنت عبدالرحمن ليست اسمًا عابرًا في تاريخ المملكة؛ إنها واحدة من الشخصيات النسائية التي ارتبط اسمها بمرحلة التأسيس، وبحياة الملك عبدالعزيز، وبذلك الطريق الطويل الذي انتهى إلى قيام وطنٍ موحد، كانت شقيقة الملك عبدالعزيز الكبرى، ورفيقته في مرحلة مبكرة من حياته، ورافقت أسرتها حين خرجت من الرياض عقب وقعة المليداء، ثم عاشت معه مرحلة الكويت، وهي المرحلة التي كانت فيها أحلام استعادة الرياض تكبر في قلب أخيها.
وتذكر دراسة المؤرخة د. دلال الحربي أن نورة كانت عاملًا مهمًا في شحذ همة عبدالعزيز للسعي إلى استعادة ملك آبائه، وأنها شجعته على الخروج لتحقيق ذلك الهدف. وهنا تظهر نورة بصورة مختلفة؛ لم تكن امرأةً تراقب التاريخ من بعيد، بل كانت قريبةً من صانعيه، تعرف أخاها، وتعرف عزيمته، وتدرك أن الطريق الذي اختاره لن يكون سهلًا. وعندما تردد البعض أمام صعوبة المحاولة، كانت كلماتها أكثر من مواساة؛ كانت دفعًا نحو الاستمرار. ومن أشهر ما نُقل عنها قولها لعبدالعزيز: «لا تندب حظك، إن خابت الأولى والثانية فسوف تظفر في الثالثة، ابحث عن أسباب فشلك فالرجال لم يخلقوا للراحة». وقد أوردت مصادر تاريخية هذا القول في سياق تشجيعها له على مواصلة السعي لاستعادة الرياض. لم تكن نورة تملك جيشًا، ولم تكن تقود حملة عسكرية، لكنها كانت تملك شيئًا آخر؛ كانت تملك الكلمة التي تصل إلى قلب رجلٍ يحمل مشروعًا كبيرًا. وربما لهذا السبب ظل حضورها مختلفًا في حياة الملك عبدالعزيز. فقد كانت العلاقة بينهما، كما تصفها دراسة د. دلال الحربي، علاقة وطيدة، خصها فيها الملك عبدالعزيز بوافر المحبة والإجلال طوال حياته. وبعد استعادة الرياض، لم ينته دور نورة بانتهاء مرحلة الكفاح الأولى؛ بل بدأت مرحلة أخرى من حياتها، أصبحت فيها حاضرة في شؤون الأسرة والمجتمع، وأسند إليها تدبير شؤون نساء العائلة واستقبال بعض الزائرات والوفود النسائية، كما اهتمت برعاية عدد من أبناء الأسرة. وتذكر د. دلال الحربي أن نورة كانت حريصة على تماسك الأسرة، وأن الملك عبدالعزيز عهد إليها برعاية أطفال فقدوا أمهاتهم في سن مبكرة. ولهذا لم تكن نورة مجرد «أخت المؤسس»؛ فقد أصبحت شخصيةً لها حضورها ومكانتها وتأثيرها في محيطها الاجتماعي. وقد لفتت شخصيتها أنظار من التقوها من الرحالة والباحثين الغربيين. فالمستشرقة والرحالة فيوليت ديكسون، التي التقتها في الرياض عام 1937م، وصفتها بأنها من أكثر النساء اللاتي قابلتهن جاذبية ومرحًا، ووصفتها بأنها «من أهم الشخصيات في الجزيرة العربية». أما الرحالة والمؤرخ جون فيلبي، فقد وصف مكانتها بعبارة شهيرة هي: «السيدة الأولى في بلدها». ولم تكن هذه المكانة مرتبطة بالمظهر أو القرابة وحدها؛ فالمصادر التي تناولت سيرتها تشير إلى رجاحة عقلها، وحسن تدبيرها، واهتمامها بالأسرة والمحتاجين، وإلى أنها كانت تستقبل النساء وتساعد في قضاء حوائجهن، كما ارتبط اسمها بالكرم والصدقة ورعاية الأيتام وتعليم الأطفال. ومن اللافت أن نورة لم تكن أسيرةً للماضي؛ فقد نقلت فيوليت ديكسون عنها إعجابها بالهاتف حين كان وسيلة حديثة في ذلك الوقت، وقالت: «لا، إنها رائعة، لست أدري إذا كنا نستطيع البقاء دونها»، وهي عبارة تكشف جانبًا من شخصيتها المنفتحة على مظاهر العصر الجديدة. لكن أكثر ما يجعل نورة حاضرة في الذاكرة الوطنية هو أنها كانت تنتمي إلى جيلٍ عرف معنى الكفاح قبل أن يعرف معنى الرفاه. عاشت الخوف، وشاهدت الترحال، وعرفت قسوة الانتظار، ثم شهدت عودة أخيها إلى الرياض، ورأت كيف تحولت المحاولة إلى مشروع، والمشروع إلى دولة، والدولة إلى وطنٍ موحد، ولذلك فإن الحديث عن نورة ليس حديثًا عن امرأةٍ عاشت بجوار التاريخ؛ بل عن امرأةٍ كانت جزءً من لحظة تاريخية كبرى. وحين نقول إن الوطن بُني بالكفاح، فإن الكفاح لا يعني فقط من حمل السلاح في الميدان؛ هناك كفاح آخر لا تقل قيمته، كفاح المرأة التي تصبر، وتربي، وتحفظ الأسرة، وتشد من أزر الرجل، وتزرع في أبنائها معنى الانتماء، وتمنح المحتاج من خيرها، وتحافظ على تماسك البيت في زمنٍ كانت فيه الحياة شديدة القسوة. تلك هي نورة. ولهذا فإن استحضار اسمها في ذاكرة الوطن ليس مجاملةً لشخصية تاريخية، بل إنصافٌ لدور المرأة في مرحلة التأسيس. فالوطن لم يُبنَ بالخطوات التي ظهرت في كتب التاريخ وحدها؛ بُني أيضًا بخطواتٍ صامتة داخل البيوت، وبقلوبٍ انتظرت، وأمهاتٍ ربين، ونساءٍ شجعن، وشخصياتٍ آمنت بأن المحاولة لا تنتهي عند الفشل. ونورة واحدة من أولئك الذين آمنوا بأن الفشل ليس نهاية الطريق. كانت تقول لأخيها، بمعنى كلمتها الخالدة: حاول مرةً أخرى؛ فالرجال لم يُخلقوا للراحة. وربما تختصر هذه العبارة جانبًا كبيرًا من شخصيتها؛ امرأةٌ لم تجعل صعوبة الطريق سببًا للتراجع، بل جعلتها سببًا للمحاولة. وحين ننظر اليوم إلى وطنٍ موحدٍ آمن، وإلى المملكة العربية السعودية التي تجاوزت مرحلة التأسيس إلى البناء والتنمية والطموح، فإن من الوفاء أن نعود إلى أولئك الذين عاشوا البدايات، وأن نتذكر أن خلف كل مرحلة عظيمة رجالًا ونساءً حملوا أحلامها قبل أن تصبح واقعًا. نورة… ليست هامشًا في قصة الوطن، وليست مجرد شقيقة ملكٍ عظيم؛ إنها شخصيةٌ وقفت في زمنٍ صعب، وشهدت التحول، وأسهمت في صناعة البيئة التي احتضنت ذلك التحول، وخلّفت وراءها سيرةً جعلت مؤرخين ورحالةً يتوقفون عندها. ولذلك، ونحن نستذكر تاريخ الوطن، لابد أن نذكر نورة؛ تلك المرأة التي لم تحمل رايةً في ميدان القتال، لكنها حملت راية العزيمة في قلبها، ولم تبحث عن مجدٍ شخصي، لكنها وقفت إلى جانب رجلٍ كان يحمل حلم وطن. نورة… امرأةٌ كانت في قلب الحكاية، وحين كتب التاريخ فصلًا من فصول الوطن، كان لها فيه صوتٌ وموقفٌ وأثر.

كاتب رأي 

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.