نادي القصة

ثمان عدساتٍ ونصف!!

ثمان عدساتٍ ونصف!!

كان يا ما كان، في جديد الزمان، خفاشٌ يكتب الأدب، وخفاشةٌ عجوز لا تُحسن رسم حاجبيها،
وكانا كلاهما قد بلغا من العمر عتيًّا، حتى صارت أجنحتهما مرتخية، حتى تدلت أطرافها من كثرة التحليق بين كهوف الخفافيش.
وكانا يعيشان علاقةً خفاشية متأرجحة، لا هي حبٌّ مكتمل، ولا هي خصومةٌ صريحة؛ وإنما شيءٌ بين هذا وذاك، يشبه ظلام الكهوف حين يتردد فيه ضوءٌ لا يُعرف مصدره.
وفي يوم من الأيام، وفي ظل الحداثة أراد الخفاش العجوز أن يُرضي خفاشته بهدية ثمينة وعصرية تواكب الثورة المعرفية والتكنولوجية فاشترى لها صفيحة فاخرة بثماني عدسات ونصف، وقال لها: بهذه الصفيحة ستكتشفين موهبتك المغمورة وستصبحين مبدعةً تتحدث عنها كهوف الخفافيش!
فرحت الخفاشة العجوز وأصبحت ترى في نفسها جمالًا لا يراه فيها أحد، وموهبةً لا يعرفها إلا هي، بينما كان خفاشها العجوز يغني لها في الكهف المظلم، وينظم الكلمات ويصنع لها تفعيلات معجزة ، ويرقص حولها، ويصفق بجناحيه حتى يتعب وتنتفخ أذنيه !
ومنذ ذلك اليوم، بدأت الخفاشة تنتقل من كهفٍ مظلم إلى كهفٍ أشد ظلامًا، تصور الجدران، والصخور، والشقوق، والهوابط، وحتى بقايا الخفافيش كانت تراها مشروعًا إبداعيًا يستحق أن يكون .
وكان خفاشها الودود يطاردها من كهف إلى كهف، يريد أن يحميها، ويداريها، ويمنع عنها عيون الخفافيش الأخرى.
كان يخشى أن يرى أحدٌ جبهتها منشورةً في الكهوف أو معروضةً في صوالين الخفافيش الغير أدبيّة
وكانت غيرته عمياء، كعينيه اللتين اعتادتا الظلام.
ومع الأيام، لم تعد مشكلتهما داخل الكهف فقط، بل صار أذاهما يصل إلى قرى الخفافيش المجاورة، حتى بدأ بعض الخفافيش يغلقون كهوفهم كلما سمعوا رفرفة جناحيهما.
وذات يوم، التقيا فوق أغصان شجرة يانعة، خضراء، كثيرة الظلال والثمار.
كانت الشجرة جميلة إلى درجة أن الخفاشة العجوز لم تستطع مقاومة جمالها.
فجلست فوق أحد أغصانها، وأخرجت صفيحتها ذات العدسات الثماني والنصف، وبدأت تلتقط الأوراق والثمار والزهور.
أما خفاشها العجوز، فظل يراقبها من فم كهفٍ قريب، ثم بدأ يضايقها.
قالت: دعني وشأني! أريد أن أصور الشجرة.
قال: ومن قال لك أن عليك تصويرها؟ ومن سمح لك بالجلوس فوقها؟
قالت: أنا أبحث عن الإبداع.
فرد عليها: الإبداع لا يكون إلا في الكهوف!
اشتد النقاش، وارتفعت أصواتهما، حتى لم تعد الشجرة تحتمل ذلك الضجيج.
هزت أغصانها بعنف، وسقط الخفاشان من فوقها.
ثم قالت الشجرة، وقد بدا عليها الغضب: أيها الخفافيش! لقد جئتُ لأمنحكم الظل، فحوّلتم ظلي إلى ساحة للخصام. جئتكم بالثمر، فجئتموني بالغيرة والضجيج. اذهبا إلى مكانكما الذي يشبهكما..
ثم هزت أغصانها مرة أخرى، فطردتهما بعيدًا.
نظر الخفاش العجوز إلى خفاشته، ونظرت الخفاشة إليه.
لم يقولا شيئًا.
رفرفا بجناحيهما المرتخيين، وعادا إلى كهفهما المظلم.
وعاشت الشجرة بسلام.
ومنذ ذلك اليوم، تعلمت قرى الخفافيش درسًا مهمًا:
ليس كل من امتلك ثماني كاميرات ونصف أصبح مبدعًا، وليس كل من غنّى لخفاشته أصبح عاشقًا، وليس كل كهفٍ يصلح لأن يكون مسرحًا للحياة.
وعاد الخفاشان إلى الظلام…
كما كانا عليه من قبل..

بقلم د. عبدالرحمن الوعلان

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.