كُتاب الرأي

النظرات الرومانتيكية في شعر أبي القاسم الشابي

النظرات الرومانتيكية في شعر أبي القاسم الشابي

الثقافة التي تسيطر على الأسرة أو العائلة الكريمة !و طرق وأساليب التربية ! والواقع المشاهد ! والتربية والتعليم ! مواقف الحياة الكثيرة ! الاستعداد لدى الإنسان ؛ كل ذلك يساعد في التشكيل والتكوين والصناعة لشخصية الإنسان وخصوصاً الإنسان المبدع والمميز من الناس !
والإنسان حقيقة في عوالم بنائه في الكون والحياة الطبيعية والتغيرات التي تصاحبه في رحلة حياته من التحديات والصعوبات والعقبات ! وما هو قابل فيه للتغيير والتشكيل ! قد تصنع وتصبغ نفسه بتلك العوالم والصور التي تطبع فيه ! وقد تبقى فيه حتى يغادر دنيا الناس هذه !
النفوس الشاعرة الأبيّة الأصيلة في الأصل عاشقة للتجديد والتطوير ! عاشقة للجمال ! عاشقة للفن ! عاشقة للحرية ! عاشقة للكون والحياة والإنسان ! على الصورة التي صنعت فيها ! على صور الفطرة والحب والمودة !
 فهي ترى من كوة ما تملك من المواهب والقدرات والطاقات فرصا ومشاهد زمانية ومكانية تعرض عليها!وترغب في تحقيقها وجعلها واقعاً مشاهداً بين يدي الناس !
ولذلك قد لا ترضى  في هذا التطواف في الكون والحياة الموارة من الغنيمة بالإياب !!.
فهي تُعّرف عن نفسها ومواهبها وتعطي للإنسان والحياة و الكون المعايير التي تراها هي الصحيحة والسليمة !
وتعطي وتهدي للإنسانية من النظرات الجديدة ! والأفق الواسع والمعاني الفريدة التي تراها هي وتحسها وتشعر بها هي ! ويعود ذلك كله إلى كمال مواهبها وطاقاتها وقدرتها على دفع عجلة الحياة وتجديد مسارات بين الناس !
الشعراء عامة وكذلك الأدباء وأصحاب الطاقات والقدرات العليا يرون أن الحياة يجب أن تدفع إلى الأمام والأمام فقط ! وعلى من فيها من البشرية أن يرتقوا بها! وبمن فيها ! وأن يبذلوا الغالي والنفيس في سبيل التربية والتعليم ونشر الثقافة والوعي ورفع مستوى الناس ليكونوا جميعاً على مستوى الإنسانية الطبيعية الحقيقية !
 من الذين تأثروا وأثروا في المجال الأدبي الثقافي ! في هذا اللون من الوان من مدرسة الحياة ! وتركوا الأثر الطيب الجميل في مسيرة الثقافة والناس هو شاعر تونس الخضراء الكبير الشاعر العربي شاعر الطبيعة الساحرة أبوالقاسم الشابي رحمه الله تعالى رحمة واسعة .
فلنستمع إليه وهو يرسل في الأنغام الشعرية في النظرات الرومانتيكية عجيبة :
صَاحِ! إنَّ الحياة َ أنشودة ُ الحُزْنِ
                        فرتِّلْ عَلَى الحياة ِ نَحِيبي
إنَّ كأسَ الحياة ِ مُتْرَعَة ٌ بالذَّمْ،
                     فاسْكُبْ على الصَّبَاحِ حَبيبي
إنّ وادِي الظَّلامِ يَطْفَحُ بالهَوْلِ،
                           فما أبعد ابتسام القلوبِ!
لا يُغرّنَّك ابتسامُ بني الأرضِ
                       فَخَلْفَ الشُّعاعِ لَذْعُ اللَّهِيبِ
أنتَ تدري أنَّ الحياة َ قطوبٌ
                    وَخُطُوبٌ، فَما حَيَاة ُ القُطُوبِ؟
إنه يرسم صورا للحياة المعروفة المألوفة بساليب أدبية شعرية جديدة غير مألوفة ! فهو يبهر القارئ والمستمع بهذا الأسلوب وهذه الطريقة الرومانتيكية ويحاول يوصل المعاني بكل حب وصدق وتأثير.
ويغوص في أغوار الخيال ليصل بالقارئ إلى الحقيقة الماثلة.
واسمعوا  إليه وهو يعزف هذا العزف الجميل :
أنتِ كالزهرة ِ الجميلة ِ في الغاب
                        ولكنْ مَا بينَ شَوكٍ، ودودِ
والرياحينُ تَحْسَبُ الحسَكَ الشِّرِّيرَ
                       والدُّودَ من صُنوفِ الورودِ
فافهمي النَاسَ..، إنما النّاسُ خَلْقٌ
                   مُفْسِدٌ في الوجودِ، غيرُ رشيدِ
والسَّعيدُ السَّعيدُ من عاشَ كاللَّيل
                       غريباً في أهلِ هَذا الوجودِ
وَدَعِيهِمْ يَحْيَوْنَ في ظُلْمة ِ الإثْمِ
                    وعِيشي في ظهرك المحمودِ
كالملاك البريءِ، كالوردة البيضاءَ،
                       كالموجِ، في الخضمَّ البعيدَ
كأغاني الطُّيور، كالشَّفَقِ السَّاحِرِ
                          كالكوكبِ البعيدِ السّعيدِ
إننا نعيش معه الحياة الحالمة الرومانسية بكل ما فيها.. وبكل تفاصيلها.
فها هو يصرخ فينا قائلا :
نحنُ نمشي، وحولنا هالة الأكــوانُ
                       تمشي …، لكنْ لأية ِ غاية ؟
نحنُ نشدو مع العَصافيرِ
                 للشَّمْسِ وهذا الرَّبيعُ ينفُخُ نَايَهْ
نحنُ نَتْلو روايَةَ الكونِ للموتِ
                        ولكنْ ماذا خِتامُ الرِّوايهْ؟
هكذا قلتُ للرِّياحِ فقالتْ
           “سَلْ ضميرَ الوُجُودِ: كيف البدايَهْ؟”
وضمير الوجود يعرف البداية والنهاية ويسير نحوها في هدوء حينا وبسرعة أحياناً.
ولكن كيف حالنا؟ والحياة الموارة هكذا تزفنا كما تتلاعب الأمواج العواتي بالسفن النائمة على ظهورها..
قَدْ رقصْنا معَ الحَيَاةِ طويلاً
                     وشدوْنا مع الشَّبابِ سنينا
وعدَوْنا مع اللَّيالي حُفاةً
                 في شِعابِ الحَيَاةِ حتَّى دَمينا
وأكلْنا التُّرابَ حتَّى مَلِلْنا
                    وشَربْنا الدُّموعَ حتَّى رَوِينا
ونَثَرْنا الأَحْلامَ والحبَّ والآلامَ
                     واليأسَ والأَسى حيثُ شِينا !
إذن ماذا بقي أن يزودنا به شاعر الإحاسيس المرهفة والشاعرية العريضة والرومانسية الفاتنة ؟
وبعد هذا التجوال العريض في بعض قصائده وإبداعاته ! فهو يريد رفع البشرية إلى مستوى البشرية والإنسانية الرفيعة ! ويحلم أن يحقق الإنسان ذاته مهما كانت التحديات والصعوبات :
إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة
              فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي
                ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ
ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة
                تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ !
الشاعر العربي الكبير أبو القاسم الشابي في رومانسيته الحالمة هو شاعر الإنسانية الحالمة ! يحاول أن يصنع الإنسان صناعة جديدة من نوافذ الجمال والحب  والطبيعة والعزف على أوتار المشاعر والأحاسيس ومحاولة صياغة الحياة بألوانه وأفكاره والدفع بها نحو تحقيق أحلامها الحقيقية.

 الأديب الشاعر الدكتور

سالم بن رزيق بن عوض

د. سالم بن رزيق بن عوض

أديب وكاتب رأي وشاعر ومصلح ومستشار أسري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.