راحةُ البال

راحةُ البال
إن سعي الناس في إشباع احتياجاتهم في المشارق والمغارب والشمال والجنوب في كوكب الأرض الجميل أمر فطري طبيعي ! لا يلام عليه أحد ! ولا ينكص عن ذلك إلا الذين غابت عنهم الأهداف والمقاصد في وجودهم في رحلة الحياة الدنيا !
فالأصل الأصيل هو حركة الناس الطبيعية في تأمين كآفة ما يحتاجون وما يطلبون من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والمسارعة والمسابقة في الطلب والتأمين .
إيقاع الحياة السريع في كآفة المجالات دفع كثيراً من الناس دفعاً إلى الركض السريع في جميع مجالات الحياة للبحث عن توفير الاحتياجات الأساسية والضرورية و إلى الذهاب إلى الكماليات والمرفهات اعتقاداً منهم أن تلك هي الاحتياجات الحقيقية الآن ! وأن الحصول عليها والوصول إليها هي حقيقة السعادة المنشودة .
تبقى تعدد وتنوع الاحتياجات لدى بعض الناس متجددة دائمة وكذلك يبقى سقف تلك الاحتياجات عالياً جداً ولا ينتهي من علو إلا إلى آخر وكأن بعضهم يبصر أمامه ذلك السراب بتلك القيعة التي يراها ماءً عذباً صافياً أو كالذي يشرب من مياه البحار لا يرتوي أبداً…!
إن طبيعة الحياة التي تحيط بالناس جميعاً هي تلك المواقف والأحداث والوقائع التي تصنع فيهم تلك الاحتياجات وتلك الضروريات والتي تجعلهم يصبحون ويمسون وهم يهرعون إلى الإشباع والإشباع الذي لا ينتهي عند حد. معين !
ولذلك وجد بعضهم فرحه وسعادته وسروره في الحصول على المال وحده ! وأن وجود المال في يده هو سر قوته وسعادته ونصره وبقائه ! ووجد بعضهم سر سعادته في الحصول على أعلى الشهادات العلمية والتميز في ذلك ! ورأى بعضهم أن سر سعادته في الزواج والتعدد في ذلك ! ورأى بعضهم أن يجمع ذلك كله إن استطاع أن يجمعه !
حقيقة البحث عن السعادة في توفير كل ما يحتاجه الإنسان هذه حقيقة ماثلة أمام الجميع ! فالجميع يكدح ويعمل ويجتهد ويبذل ويسافر ويعارك ويعاند ويقاطع كل ذلك رغبة وطمعاً في الحصول على المكافأة الكبيرة والضخمة والغالية والنفيسة ألا وهي ( راحة البال ) !.
إنّ الناس على تنوعهم وتعددهم وعلى اختلاف الأزمنة والأمكنة وتعاقبها يبحثون ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً عن الراحة وخصوصاً راحة البال !
حقيقة راحة البال هي نتيجة طبيعية ومخرج طبيعي لعدد من المقدمات والمدخلات السليمة والصحيحة والتي يستطيع المرء أن يقوم بها مع نفسه الطيبة المطمئنة ومع أسرته المباركة ! وسوف تكون النتيجة الطبيعة التي يحصل عليها هي راحة البال !
يرى كثير من الناس أن سعادة الحال في راحة البال والتي تأتي من الإلتزام بالتوجيهات. والوصايا. التالية :
أولاً: تعظيم الله تعالى فهو الله تعالى الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المحيي المميت سبحانه وتعالى .
ثانياً: الكون والحياة والإنسان له وحده يدبرها كيف شاء سبحانه تعالى ، وكل ما فيها وما يحدث من تدبير علمه وحكمته وتقديره.
ثالثاً: الإنسان مخلوق مكرم كرمه الله تعالى فقد خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وعلمه من علمه وأسجد له ملائكته .
رابعاً: تقبل و قبول الأحداث والوقائع كما هي ! كما كتب الله تعالى وقدّر من خير أو شر على النفس والأهل والمال والولد والعمل .
خامساً: المسؤولية الكاملة عن النفس والأهل والولد .
سادساً: الحرص على ما ينفع الإنسان وبذل الأسباب في جلب الخير له ودفع الشر عنه .
سابعاً: القناعة و الرضا بما قسم الله تعالى من رزق في النفس والأهل والولد والعمل والمسكن والمركب والمال.
ثامناً: حفظ ما أمر الله تعالى بحفظه تبارك وتعالى ( احفظ الله يحفظك ).
تاسعاً: الإحسان في شؤون الحياة المختلفة ؛ كالإحسان إلى الله تعالى والإحسان إلى النفس والإحسان إلى الأهل والولد والوالدين. والأقارب والإحسان إلى الناس جميعاً .
عاشراً: التزام الدعاء والتضرع إلى الله تعالى على أن يمنحكم ويهبكم سبحانه وتعالى ( دوام راحة البال ).
يقول الشاعر العربي الأمير أبو فراس الحمداني :
فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ
وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ
وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ
إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ
وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابِ !
