حين يتبدّل الناس… مَنْ لوّث الصورة؟

حين يتبدّل الناس… مَنْ لوّث الصورة؟
عبدالمحسن محمد الحارثي
من أكثر ما يثير الحيرة أن يتبدّل عليك شخصٌ عرفته طويلًا؛ تتغيّر نبرته، ويخفّ حضوره، وتتسع المسافة بينكما، من غير موقفٍ ظاهر ولا سببٍ مفهوم.
فتسأل نفسك: ما الذي حدث؟
وفي أحيان كثيرة، لا تكون المشكلة في موقفٍ وقع بينكما، بل في روايةٍ وصلت إليه قبلك.
فبعض العلاقات لا تفسدها الأفعال، وإنما تفسدها الكلمات المنقولة؛ كلمة تُقال، أو حكاية تُروى من زاوية واحدة، أو موقف يُجتزأ من سياقه، فيتلقاه السامع دون تمحيص، ثم يعيد بناء صورتك في ذهنه على أساس ما سمع، لا على أساس ما عرفه عنك.
ولهذا يصح أن يقال:
«لا يُعرف الرجال بما يُقال عنهم، بل بما عشته معهم.»
فمن عاش معك سنوات، وعرف معدنك في المواقف، ثم سمح لكلمة عابرة أن تهدم تلك المعرفة، فقد ظلم تجربته قبل أن يظلمك.
وكأن أحدهم قد منحه تطعيمةً فاسدة للفكرة؛ دخلت إلى وجدانه، فأثرت في نظرته، ثم في سلوكه، ثم في علاقته بك.
وهنا يظهر معدن الإنسان.
فالعاقل لا يجعل أذنًا واحدة ميزانًا للحقيقة، ولا يهدم معرفة سنوات برواية مبتورة، ولا يسمح لوشايةٍ أن تنتصر على تجربةٍ عاشها بنفسه.
«الوشاية لا تنجح بقوة ناقلها، بل بضعف من يتلقاها.»
ذلك أن ناقل الكلام قد يقول ما يشاء، لكن الخلل يبدأ حين يجد أمامه عقلًا لا يمحّص، ونفسًا تميل إلى التصديق، وبصيرة لا تمنح الحقيقة حقها.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
فالتبيّن ليس خُلُقًا اجتماعيًا فحسب؛ بل صيانةٌ للعقل، وعدالةٌ للآخر، وحمايةٌ للعلاقات من الظلم وسوء الظن.
ومن هنا تبرز قاعدة جديرة بالعاقل:
«من صدّق أول رواية، فقد أغلق باب الحقيقة قبل أن تطرق عليه.»
فالإنصاف لا يبدأ من الحكم، بل من السؤال؛ ولا يكتمل بسماع طرفٍ واحد، بل بسماع من قيل عنه كما سمعنا ممن قال فيه.
ومن يسمع ولا يتحرّى، ويصدّق ولا يسأل، ويحكم قبل أن يسمع الطرف الآخر؛ فهو إما ضعيف عقل لم يُحسن وزن الكلام، أو ضعيف بصيرة ترك الآخرين يرسمون له الناس كما يشاؤون.
والأشد خطرًا أن بعض الناس لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عمّا يؤكد ما زُرع في نفسه؛ فإن سمع ما يشكك فيك صدّقه، وإن سمع ما ينصفك أعرض عنه. وهنا لا تعود المشكلة في ناقل الكلام وحده، بل في مستمعٍ فتح صدره للرواية قبل أن يفتح عقله للحقيقة.
أما صاحب المروءة، فإذا تغيّر عليك بسبب ما سمع، عاد إليك قبل أن يبتعد، وسألك قبل أن يحكم، ومنحك حق الرواية كما منح غيرك حق الكلام.
فالعلاقات الأصيلة لا تهدمها وشاية، ولا تزعزعها كلمة عابرة، ولا تُدار بآذان الآخرين.
ولهذا:
«من هدم معرفة السنين بكلمةٍ عابرة، فقد أساء إلى عقله قبل أن يسيء إليك.»
لذلك لا تُرهق نفسك في ملاحقة كل من تغيّر عليك، ولا تستهلك روحك في تفسير كل ابتعاد.
فمن يعرفك حقًا، لا تهزّه أول رواية.
ومن يحترم عقله، لا يستعير عيون الآخرين ليراك بها.
ومن ينصفك، يسمع منك كما سمع عنك.
أما من غيّرته كلمة، وبدّلته رواية، وأبعدته وشاية قبل أن يسألك؛ فلعل التغيير لم يكشف حقيقتك أنت…
بل كشف حقيقة ميزانه.
كاتب رأي

