كُتاب الرأي

عالجوا الجذر.. تسقط الأذرع

عالجوا الجذر.. تسقط الأذرع

عبدالمحسن محمد الحارثي

ليس من الحكمة أن تبقى المواجهة مشغولةً بالأذرع، بينما يظلّ العقل الذي يموّل ويخطط ويسلّح بعيدًا عن كلفة ما يصنعه.

فالذراع مهما اشتد بطشها تظل أداة، والأداة لا تتحرك من تلقاء نفسها؛ وراءها قرار، ومال، وسلاح، وتوجيه، ومشروع سياسي يعرف كيف يصنع الفوضى خارج حدوده كي يوسّع نفوذه ويحمي مصالحه.

ولهذا فإن أخطر ما في المشهد ليس كثرة الأذرع، بل بقاء الصانع الذي يزرعها، ويغذيها، ويعيد إنتاجها كلما سقطت واحدة منها.

ومن هنا ينبغي أن تتغير البوصلة.

فالمواجهة الناجحة لا تظل عالقة عند النتائج، بل تنتقل إلى السبب؛ ولا تكتفي بملاحقة الوكيل، بل تكشف الراعي، وتفضح مشروعه، وتجفف موارده، وتحمّله مسؤولية ما تصنعه أذرعه متى ثبت التمويل والتسليح والتوجيه.

لقد أثبتت سنوات الصراع أن ترك الصانع بعيدًا عن كلفة مشروعه يمنحه وقتًا إضافيًا لإعادة تشكيل الفوضى بأسماء جديدة وواجهات مختلفة؛ تسقط جماعة، فتظهر أخرى، ويتراجع ذراع، فيُدفع بغيره، ويتبدل الاسم بينما يبقى المشروع واحدًا.

وهنا مكمن الخلل.

فالمشكلة ليست في ميليشيا بعينها، ولا في جماعة واحدة؛ بل في منظومة تصنع الميليشيات، وتحوّلها إلى أدوات نفوذ عابر للحدود، وتستخدم الأزمات وقودًا لإدامة حضورها.

ومن هنا تصبح الأولوية بناء ردع استراتيجي متكامل: تحالفات أكثر صلابة، ودفاع مشترك أكثر فاعلية، وعزل سياسي، وضغط اقتصادي، وتجفيف لمصادر التمويل والتسليح، ومحاسبة قانونية وأمنية تجعل صانع التهديد يدرك أن زمن العمل من خلف الستار بلا ثمن قد انتهى.

وقد قيل: «من أمن العقوبة أساء الأدب»؛ والدول كذلك، متى غابت عنها الكلفة، تمادت في اختبار صبر الآخرين وحدودهم.

لكن المقصود هنا ليس حربًا على شعب، ولا خصومة مع عِرق أو مذهب؛ فالشعوب كثيرًا ما تكون أول ضحايا سياسات أنظمتها. المقصود هو تفكيك المشروع الذي جعل من الفوضى صناعة، ومن الوكلاء جيوشًا بالإنابة، ومن الأزمات وسيلةً للنفوذ.

وإذا أُريد للشرق الأوسط أن يخرج من دوامة الاشتعال المتكرر، فلا بد من معالجة الجذر، لا الاكتفاء بقص الأغصان.

فبقاء الصانع قويًا يعني بقاء المصنع مفتوحًا؛ أما انحسار نفوذه، وتفكيك شبكاته، وارتفاع كلفة سياساته، فيعني أن كثيرًا من الأذرع ستفقد المال والسلاح والغطاء والقدرة على الاستمرار.

ليس الخطر في كثرة الأذرع، بل في بقاء اليد التي تحرّكها؛ فإذا شُلّ نفوذها، سقطت أدوات كثيرة، وإذا أُغلق مصنع الفتنة، خمدت نيران كثيرة في الإقليم.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تُقرأ بوضوح:

لا سلام مستدام مع بقاء مصانع الفوضى تعمل بلا كلفة، ولا ردع حقيقي ما دام الوكيل يدفع الثمن وحده والصانع يراقب من بعيد.

وحين تصبح كلفة التهديد أعلى من مكاسبه، يبدأ الردع الحقيقي؛ وحين يُردع الصانع، تضعف الأذرع، ويصبح السلام أقرب إلى الواقع من كل الشعارات.

كاتب رأي 

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.