السياج الذي لا يُرى

السياج الذي لا يُرى
خبرةٌ لا تتقاعد، وجبهةٌ واعية
عبدالمحسن محمد الحارثي
تسعى الحملات الإعلامية المضللة إلى إرباك المتلقي قبل إقناعه؛ فهي لا تحتاج دائماً إلى أن تُصدَّق، بل يكفيها أن تُضعف الثقة بالمعلومة الموثوقة، وأن تدفع الناس إلى تداول الأخبار قبل التثبت منها. ومن هنا تبدأ مسؤولية الوعي: أن نقرأ، ونتحقق، ولا نجعل من إعادة النشر جسراً لعبور الشائعة.
والمملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقلٍ ديني واقتصادي وسياسي، ودورٍ مؤثر في استقرار المنطقة وأمنها، هي محل اهتمامٍ دائم، وتتباين حول مواقفها القراءات والتعليقات. غير أن الواجب الوطني يقتضي ألا يتحول هذا التباين إلى ارتباك داخلي، وألا تُمنح المعلومات غير الموثقة مساحةً أكبر من الحقائق المعلنة.
إن الجبهة الداخلية ليست خطاباً عاطفياً، ولا اصطفافاً أعمى، ولا رفضاً للنقد المسؤول؛ بل هي وعيٌ يميز بين الرأي والخبر، وبين النقد الموضوعي والمعلومة المضللة، وبين السؤال المشروع والتداول غير المنضبط. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أصلٍ عظيم في التعامل مع الأخبار: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فالتثبت في زمن التدفق الرقمي مسؤولية أخلاقية ووطنية.
الكلمة قبل نشرها قد تكون رأياً شخصياً، لكنها بعد انتشارها قد تُحدث أثراً واسعاً. لذلك فإن التحقق من المصدر، وقراءة الخبر كاملاً، والامتناع عن تداول ما لا يُعرف أصله، كلها ممارسات تحمي المجتمع وتحفظ وعيه.
وأقوى ما يعزز هذه الجبهة هو الثقة بالدولة ومؤسساتها، والرجوع إلى المصادر الرسمية فيما يتصل بالشأن العام. فالمجتمع الواثق والواعي لا تزعجه الضوضاء، ولا ينشغل بما لا يستند إلى معلومةٍ صحيحة أو مصدرٍ معتبر.
وفي هذا الإطار، تبرز قيمة وطنية كبيرة تستحق مزيداً من التنظيم والاستثمار: خبرات المتقاعدين العسكريين والمدنيين.
فالتقاعد نهايةٌ للمسار الوظيفي، لا للخبرة ولا للعطاء. العسكري المتقاعد يحمل معه الانضباط، والعمل الجماعي، وحسن إدارة الوقت، والهدوء في مواجهة الضغوط. والمدني المتقاعد يحمل رصيداً مهنياً غنياً؛ فالطبيب بخبرته، والمعلم برسالته، والمهندس بعقله المنظم، والإداري بتجربته، والإعلامي بوعيه لأثر الكلمة ومسؤوليتها.
هذه الخبرات لا ينبغي أن تبقى محصورة في الذاكرة الشخصية أو المجالس الخاصة، ثم يُبحث عنها عند الحاجة. ومن المفيد أن تتسع البرامج المنظمة، تحت إشراف الجهات المختصة، لاستثمارها في مجالات التوعية، والتطوع، والإرشاد، ودعم المبادرات المجتمعية وفق الأنظمة والاختصاصات.
لدينا احتياطي للمال والغذاء والطاقة، ومن الحكمة أن نمتلك كذلك رصيداً منظماً للخبرات الوطنية؛ قاعدةً تُعرّف بالكفاءات، وتصل بينها وبين المجال الذي يناسبها، وتفتح لها باب المشاركة المنضبطة حين تدعو الحاجة.
فمن خبرة التعليم يأتي تحصين الوعي، ومن خبرة الإعلام تأتي المساهمة في رفع جودة المحتوى، ومن خبرة الصحة تأتي الرسالة الوقائية، ومن خبرة الإدارة يأتي تنظيم الجهد، ومن الخبرة العسكرية يأتي الانضباط وفهم الأولويات. وليست القيمة في كثرة الأيدي، بل في الخبرة التي تؤدي دورها في موضعها الصحيح.
وفي الظروف الاستثنائية، تزداد الحاجة إلى العمل الهادئ والمنظم. فالأزمات لا تحتاج إلى ارتجال أو تضخيم، بل إلى وعيٍ، وتنسيقٍ، والالتزام بالتوجيهات الصادرة من الجهات الرسمية. وهنا يمكن للمتقاعدين المؤهلين أن يسهموا، ضمن الأطر النظامية، في دعم التوعية، وتنظيم المبادرات الإنسانية والتطوعية، ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
وتظل الجهات الحكومية والأمنية، كلٌّ في نطاق اختصاصه، أساساً لحفظ الاستقرار وأداء الواجبات الوطنية. ومع وعي المجتمع، والتزامه بالأنظمة، وتعاونه مع مؤسساته، تكتمل صورة القوة الوطنية التي تحمي الوطن وتدعم مسيرته.
إن الوطن لا يحميه الحجر وحده، بل تحميه الثقة، والوعي، واحترام النظام، والمسؤولية في الكلمة، والخبرة التي لا تنتهي بانتهاء الوظيفة.
السياج المنيع هو عقلٌ يتثبت، وقلبٌ ينتمي، وخبرةٌ تبقى في خدمة الوطن.
كاتب رأي
#نحن_طويق
