روسيا في أوكرانيا

روسيا في أوكرانيا
ومن يملأ فراغها في الشرق الأوسط؟
عبدالمحسن محمد الحارثي
في السياسة الدولية، لا تبقى المقاعد شاغرة طويلًا؛ فحين تنشغل قوة كبرى في جبهة، تتحرك قوى أخرى نحو المساحة التي تركتها.
ومنذ أن استغرقت روسيا في حربها مع أوكرانيا، تراجع حضورها في الشرق الأوسط؛ لا لأنها غابت عنه، بل لأن قدرتها على التحرك في أكثر من مسرح في الوقت نفسه أصبحت أكثر كلفة وتعقيدًا.
ومن هنا يبرز السؤال:
هل كان انشغال روسيا في أوكرانيا مجرد نتيجة لحرب أوروبية، أم أنه منح الولايات المتحدة فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط؟
لا توجد أدلة قاطعة تسمح بالقول إن الحرب دُبّرت أصلًا لإخراج روسيا من المنطقة؛ فالتحليل السياسي شيء، وإثبات التخطيط المسبق شيء آخر.
لكن في عالم المصالح، لا يشترط أن تصنع الحدث حتى تكون أكبر المستفيدين منه.
فالخصم قد لا يصنع حربك، لكنه قد يكون أول من يجني ثمار انشغالك بها.
وهذه إحدى قواعد القوة في العلاقات الدولية:
الدول الكبرى لا تنتظر الفراغ.. بل تتسابق إلى ملئه.
لقد استنزفت الحرب قدرًا هائلًا من الجهد الروسي العسكري والاقتصادي والسياسي، وأصبح على موسكو أن توازن بين متطلبات جبهتها الأوكرانية وبين مصالحها الممتدة في مناطق أخرى من العالم.
وهنا تظهر الحقيقة الأهم:
القوة لا تُقاس فقط بما تملكه الدولة، وإنما بما تستطيع تحريكه في اللحظة والمكان المناسبين.
فقد تملك دولة ترسانة هائلة، لكن إذا استُنزفت في جبهة واحدة، ضاق هامش حركتها في الجبهات الأخرى.
وروسيا اليوم لم تختفِ من الشرق الأوسط؛ فما زالت لها علاقاتها ومصالحها وأوراقها السياسية والعسكرية، لكنها لم تعد تتحرك فيه بالزخم نفسه الذي ظهرت به في مراحل سابقة.
روسيا موجودة.. لكنها أقل قدرة على فرض إيقاع المشهد.
وفي المقابل، استفادت الولايات المتحدة من هذه المساحة؛ فشبكة تحالفاتها وقواعدها واتفاقاتها الأمنية تمنحها حضورًا واسعًا، وكل تراجع في قدرة المنافس الروسي يفتح أمام واشنطن هامشًا إضافيًا للحركة.
لكن الخطأ أن نتصور أن المقعد الروسي انتقل كاملًا إلى أميركا.
فبينما تنشغل موسكو بالحرب، تتحرك الصين بأسلوب مختلف؛ لا تدخل المنطقة بضجيج عسكري واسع، وإنما تتقدم عبر الاقتصاد والطاقة والاستثمارات والدبلوماسية، وتحول حضورها الاقتصادي تدريجيًا إلى وزن سياسي.
والصين هنا لا تتحرك كبديل عسكري مباشر عن الولايات المتحدة، ولا كوريث تقليدي لروسيا؛ بل تبني نفوذًا من نوع آخر، قاعدته المصالح العميقة والشراكات طويلة المدى.
فأميركا تدخل المنطقة بثقلها الأمني والعسكري، بينما تدخلها الصين بثقلها الاقتصادي؛ والاختلاف في الأدوات لا يعني اختلافًا في الهدف: النفوذ وحماية المصالح.
ولعل أهم ما في الصعود الصيني أنه لا يقوم على الصدام المباشر، بل على تراكم المصالح؛ فكل عقد استثمار، وكل شراكة في الطاقة، وكل حضور اقتصادي ممتد، قد يتحول مع الوقت إلى مساحة أوسع من التأثير السياسي.
فالصين لا تسابق أميركا على عدد القواعد العسكرية، بل على حجم المصالح التي قد تجعل القرار الاقتصادي اليوم مدخلًا إلى التأثير السياسي غدًا.
ومن هنا، قد لا نكون أمام انفراد أمريكي مطلق، وإنما أمام إعادة تشكيل لموازين القوى:
أميركا بثقلها الأمني والعسكري، والصين بقوتها الاقتصادية والسياسية المتنامية، وروسيا تقاتل للاحتفاظ بمكانها ومصالحها ونفوذها.
أما دول المنطقة، فلم تعد مجرد ساحات تتقاسمها القوى الكبرى؛ فقد أصبحت أكثر قدرة على تنويع شراكاتها، والتحرك وفق مصالحها، وإقامة علاقاتها مع واشنطن وبكين وموسكو دون الارتهان الكامل لأي منها.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى:
روسيا لم تخسر الشرق الأوسط دفعة واحدة، لكنها تدفع ثمن انشغالها الطويل في أوكرانيا من رصيد نفوذها في ساحات أخرى.
ففي السياسة قد تكون خسارة المقعد أخطر من خسارة المعركة.
ومن يستهلك قوته في جبهة واحدة، قد يخسر نفوذه في جبهات لم يُطلق فيها رصاصة.
فالحروب الكبرى لا تغيّر خرائط الجبهات فقط، بل تعيد توزيع النفوذ بعيدًا عنها.
ولهذا قد لا يكون السؤال الأخطر أمام موسكو:
كيف تنتهي حرب أوكرانيا؟
بل:
كم مقعدًا ستجد أن الآخرين قد جلسوا عليه حين تنتهي؟
فالفراغ في السياسة لا يدوم..
ومن يغادر مقعده طويلًا، قد يعود فيجده مشغولًا.
كاتب رأي
