حلف مكة.. حين تُهزم الخطة قبل أن تبدأ

حلف مكة.. حين تُهزم الخطة قبل أن تبدأ
عبدالمحسن محمد الحارثي
لم يكن اجتماع إسطنبول الأول لحلف مكة الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان اجتماعًا لشرح اتفاقٍ وُقّع، بل خطوة لنقله من النص إلى المؤسسة، ومن التفاهم السياسي إلى الجاهزية العملية.
فقد انتهى الاجتماع إلى إنشاء أمانة عامة مقرها الرياض، وإعداد خريطة طريق للمرحلة المقبلة، وتعزيز التكامل بين القوات المسلحة، وتطوير القدرات الدفاعية، وتوسيع التعاون في الإنتاج العسكري والبحث والتطوير ومكافحة الإرهاب.
وهذه النتائج تؤكد أن الحلف بدأ بناء استدامته مبكرًا، بدل انتظار الأزمات حتى تفرض عليه توقيتها وشكل استجابته.
وهنا تكمن فرادة حلف مكة: فهو لا ينتظر الخطر ليبحث عن مخرج، بل يفكر في الأزمة قبل أن تولد، ويبني البديل قبل أن يُضطر إليه. فالتحالف الذي يمتلك مؤسساته وخططه وموارده قبل الخطر ؛ لا تُربكه المفاجآت، ولا تجعله الأحداث أسيرًا لردود الأفعال.
وليس هدف الحلف أن يضيف محورًا جديدًا إلى محاور الصراع، بل أن يكون نواة استقرار في منطقة أرهقها التشرذم، وأضعفت بعض دولها الانقسامات، وملأت المليشيات فراغاتها.
إنه مشروع لاستدامة الأمن، واستعادة الأمان السياسي والعسكري، وحماية سيادة الدول واستقلال قرارها.
ومن هنا جاءت هويته دفاعية لا هجومية؛ فلا يستهدف دولة بعينها، ولا يبحث عن عدو يبرهن أمامه على وجوده. فقوة الحلف لا تظهر في عدد المعارك التي يخوضها، بل في عدد المخططات التي يُسقطها قبل أن تتحول إلى حروب.
والدفاع المشترك لا يعني أن يتحول كل حادث محدود إلى مواجهة جماعية؛ فإذا استطاعت الدولة المعتدى عليها رد الخطر بقواتها، بقي الحلف داعمًا لها سياسيًا واستخباراتيًا ولوجستيًا.
أما إذا اتسع الاعتداء وهدد سيادتها وتجاوز قدرتها الوطنية ؛ انتقل الحلف إلى مستوى أعلى من الاستجابة.
وهنا تبرز ضرورة قواعد اشتباك واضحة تحدد مفهوم الاعتداء، ومستوى الخطر، وسلطة القرار، وموقع الهجمات السيبرانية والمسيّرات واستهداف الطاقة والممرات البحرية من الالتزام الدفاعي..فالسؤال الذي لا يُحسم في زمن السلم يتحول إلى ثغرة في زمن الحرب.
ولهذا قال دوايت أيزنهاور إن الخطط قد تصبح عديمة الفائدة، لكن التخطيط لا غنى عنه؛ فالأحداث قد تغيّر الخطة، لكنها لا تهزم العقل الذي تدرب على الاحتمالات.
وتحتاج الجاهزية إلى تدريبات واتصالات عسكرية آمنة وإنذار مبكر، كما تحتاج إلى استدامة مالية توزّع كلفة الأمن وفق قدرة كل دولة وما تقدمه من تمويل أو قوات أو خبرات وتقنيات؛ حتى لا يكون الالتزام جماعيًا في النص وفرديًا في الكلفة.
أما الصناعات العسكرية ؛ فهي عمود الحلف الأطول عمرًا ، إذ تتكامل القوة الاقتصادية ومشروع التوطين السعودي مع الخبرة الصناعية الدفاعية التركية والقدرات العسكرية الباكستانية. والمطلوب ألا تبيع دولة للأخرى منتجًا فحسب، بل أن تشترك الدول في البحث والتصنيع ونقل التقنية وتأمين سلاسل الإمداد؛ ليصبح الحلف منتجًا للقوة، لا مستهلكًا لها.
وقد قال كلاوزفيتز إن الحرب «استمرار للسياسة بوسائل أخرى»، غير أن فلسفة حلف مكة الأعمق هي أن تكون القوة حارسة للسياسة، لا بديلًا عنها؛ فالدبلوماسية التي لا تسندها قوة قد تتحول إلى مناشدة، والقوة التي لا تضبطها السياسة قد تنحدر إلى مغامرة.
والعقول التقليدية تضع خطة، ثم تحتفظ بأخرى بديلة تظن أنها ستنقذها؛ أما التفكير الاستراتيجي الإبداعي فيقرأ الاحتمالات كاملة، ويضع لكل مسار مسارًا مضادًا، ولكل بديل بديلًا يسبقه.
وهنا لا يهزم الحلف الخطر بالسلاح وحده، بل يهزم أولًا طريقة التفكير التي أنتجته.
وحين يتوهم أصحاب المخطط أن خطتهم البديلة ستنقذ ما أسقطته الخطة الأصلية ؛ يكون السقوط مرتين: مرة أمام قوة الردع، ومرة أمام قوة الاستباق.
فليس أقسى على المخطط السطحي من أن يكتشف أن مخرجه الأخير كان داخل حسابات خصمه منذ البداية.
إن حلف مكة لا يحتاج إلى جيش رابع يُضاف إلى جيوش الدول الثلاث، بقدر حاجته إلى عقل رابع يولد من تماهي عقولها؛ عقل لا ينتظر الحرب ليثبت قوته، بل يبني من القوة ما يمنعها، ولا يفكر في كيفية الانتصار فيها فقط، بل في كيفية هزيمة فكرتها قبل أن تولد.
وحين تُهزم الفكرة ؛ تسقط الخطة ، وحين تسقط الخطة وبديلها معًا ؛ يدرك الخصم أنه لم يتأخر عن الحلف خطوة واحدة، بل تأخر عنه زمنًا كاملًا.
كاتب رأي


