كُتاب الرأي

سيد قطب وتحول النموذج الإدراكي للإسلام السياسي

سيد قطب وتحول النموذج الإدراكي للإسلام السياسي

بقلم: عبدالعزيز الموسى

لم يكن سيد قطب مجرد كاتب إسلامي مؤثر، ولا مجرد مفسر للقرآن الكريم حظي بانتشار واسع، بل تحول مع مرور الزمن إلى ظاهرة فكرية كاملة، ومن أبرز المفكرين الذين تركوا أثراً واسعاً في صياغة الوعي الأيديولوجي الحديث. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: هل أخطأ سيد قطب أم أصاب؟ وإنما: كيف استطاع أن يصبح المرجعية المعرفية الأبرز للإسلام السياسي، ولماذا تصدّر فكره داخل التيار الحركي حتى على أطروحات مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا نفسه؟ إن الحقيقة الكبرى التي تكشفها الظاهرة القطبية هي أن الرجل لم يؤسس تنظيماً جديداً، بل أنتج تحولاً معرفياً واسع الأثر؛ حين غيّر “النموذج الإدراكي” للعمل الإسلامي برمته، ونقله من حركة إصلاحية دعوية إلى أيديولوجيا صدامية شاملة تعيد صياغة تصور العلاقة بين الدين والواقع والدولة. والمقصود بالنموذج الإدراكي هنا ليس مجرد مجموعة من الآراء الفقهية أو المواقف السياسية العابرة، بل الإطار الذهني الحاكم الذي يحدد مسبقاً نوعية الأسئلة التي تُطرح، وآلية تفسير الواقع وتصنيفه، وما يُعدّ في نظر الجماعة مشكلة تستوجب العلاج، وما يُعتقد أنه حل؛ فحين يتغير هذا النموذج لا تتغير بعض الأفكار الفرعية فحسب، وإنما تتغير بنيوية الرؤية الكلية للعالم بأكملها، ويتحول معها مجرى الوعي الجمعي للتيار.

ولعل الأثر الأعمق الذي خلّفه سيد قطب في بنية التفكير الإسلامي لا يكمن في أنه قدّم أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، بل في أنه غيّر طبيعة الأسئلة نفسها ونقلها إلى مربعات معرفية مغايرة تماماً. ولكي نفكك هذا التحول البنيوي، لا بد من مقاربته أولاً عبر المقارنة مع النموذج التأسيسي لحسن البنا؛ فقد استند مشروع البنا إلى أسئلة النهوض والتربية والتدرج، حيث يتحرك التغيير عبر دوائر مرنة تتسع تباعاً، وتختصر عبارته الشهيرة هذا المنحى التراكمي حين قال: “تكوين الفرد المسلم، فالبيت المسلم، فالشعب المسلم، فالحكومة المسلمة…”; إذ كان السؤال المركزي الحاكم لهذه الرؤية هو: كيف نصلح المجتمع تدريجياً ليتوافق مع الإسلام؟ لكن مع نضوج الأطروحة القطبية، خصوصاً في مرحلتها المتأخرة، حدثت إزاحة جذرية؛ فلم يعد الإشكال متعلقاً بآليات الإصلاح الفردي والاجتماعي، بل تحول إلى التشكيك في شرعية الواقع القائم برمته عبر عدسة مفهوم “الجاهلية”. وقد صاغ قطب هذا التحول بوضوح في كتابه معالم في الطريق حين كتب: “إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية.. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية.. وهي الحاكمية”. ومن خلال هذا المنظور، لم تعد الجاهلية حقبة تاريخية انقضت، بل أصبحت حالة وجودية تقوم كلما حُكم بغير ما أنزل الله، وهي رؤية حاسمة نقلت مركز الثقل من سؤال “الوسائل والتربية” إلى سؤال “الشرعية والسيادة”، حيث تم اختزال المشهد كله في ثنائية حادة لا تقبل التدرج: إما إسلام وإما جاهلية.

هذا الانتقال المعرفي لم يكن لينجح دون رافعة نظرية صلبة؛ ورغم أن مفهوم “الحاكمية” تبلور تاريخياً في سياق مغاير مع أبي الأعلى المودودي في شبه القارة الهندية، إلا أن قطب أعاد صياغته بلغة أدبية ذات طاقة حركية عالية، مستبدلاً السؤال الفقهي التقليدي حول “شروط الحاكم” بسؤال أيديولوجي حول “أصل السيادة”. وعبر هذا المفهوم بالتحديد، أسهم في بلورة أيديولوجيا حركية حاسمة، جعلت من “المفاصلة الشعورية” خطوة أولى لا غنى عنها لأي عمل إسلامي؛ فبدلاً من فكرة “الشعب المسلم” الذي يحتاج إلى وعظ وإرشاد، برز سؤال جديد يتساءل عن الجماعة التي تمتلك الوعي الحقيقي وسط هذه الجاهلية، وجاء الجواب عبر مفهوم “الطليعة” في مقدمة المعالم: “لا بد من طليعة تقود هذا الاندفاع، وتمضي في الطريق.. ولا بد أن تكون هذه الطليعة على عزلة شعورية من جهة، ومفاصلة واضحة من جهة أخرى”. وبموجب هذا السؤال الجديد، تحول الفعل الحركي من دمج المجتمع في عملية إصلاحية، إلى عزل الصفوة المؤمنة عن محيطها لتأسيس النواة الصلبة، وهو ما منح التنظيمات اللاحقة مبرر الانكفاء على الذات وممارسة الاستعلاء بالإيمان كآلية حماية نفسية وتنظيمية.

بناءً على هذه الجذور، يمكن القول إن قطاعاً واسعاً من الحركات الإسلامية المعاصرة ظل إخوانياً في البنية التنظيمية، بينما تأثر بدرجات متفاوتة بالإطار المعرفي الذي بلوره سيد قطب. هذا الانقسام بين تنظيم يبحث عن التمدد البراجماتي في الواقع، وتصور ذهني يقرأ هذا الواقع من خلال مفهوم الجاهلية، قدم للإسلاميين التفسير الكلي المغلق للعالم؛ وهو تفسير يمنح إجابات جاهزة عن طيف واسع من التحولات السياسية والاجتماعية دون الحاجة إلى عناء التحليل السوسيولوجي المعقد. وقد يظن القارئ أن هذا الانتشار الواسع والعابر للحدود كان ينبغي أن ينتج مدرسة علمية متكاملة، لكن الواقع يكشف مفارقة مختلفة تماماً؛ فالنموذج القطبي، بطبيعته الحدية والقطعية، أسهم في تراجع حضور الدرس الفقهي التقليدي والتحليل المقاصدي لصالح القراءات الأيديولوجية الحركية. فلم تنتج هذه المدرسة فقهاء، بل أنتجت منظّرين حركيين، لأن الأسئلة التي طرحتها لم تكن تتطلب بحثاً في الفروع أو تفكيكاً للنوازل، بل كانت تتطلب “حسماً” مواقفياً تالياً لعملية الفرز الأيديولوجي، ليعيش المفهوم السياسي في شعور الأتباع قبل عقولهم؛ لأنهم في الواقع لا يدافعون عن فكرة مجردة بل عن تجربة شعورية كاملة وعن إطار نفسي يمنحهم اليقين المطلق وسط عالم مضطرب.

ومن هنا، لم يورث سيد قطب الإسلاميين مجرد منظومة أفكار، بل أورثهم مزاجاً نفسياً وحالة ذهنية برمتها عابرة للتنظيمات والحدود يمكن تسميتها بـ “القطبية المضمرة”، وهي النسق الذهني الذي يستبطن مفاهيمه الأساسية حتى لدى من لا ينتسبون تنظيمياً لجماعة الإخوان المسلمين؛ فقد نجد اليوم كاتباً أو داعية يرفض علناً الانتماء الحزبي، لكنه في الوقت ذاته يفسر الواقع الاجتماعي بمنطق الجاهلية، ويقرأ التحولات الدولية بمنطق “المفاصلة” الحاد، ويقيس منسوب التدين الحقيقي بمقدار التوجس من الدولة الوطنية، مستعيراً البنية الذهنية لسيد قطب دون أن يشعر. وتتكون هذه البنية النفسية من عناصر متلاحمة، تبدأ بالإحساس بالاصطفاء، وتمر بالثنائية الحادة التي تلغي مساحات التسوية السياسية البراغماتية، وتتغذى على الارتياب الدائم بالمجتمع والدولة، وصولاً إلى اليقين المطلق والشعور بالمظلومية؛ حيث يلتقي اليقين الفكري بمظلومية السجن والإعدام ليتحول الألم التاريخي إلى وقود أيديولوجي يمنح صاحبه حصانة ضد المراجعة والتصحيح، ويحول الفكرة إلى “عدسة” دائرية قادرة على إعادة إنتاج نفسها تلقائياً داخل أجيال جديدة؛ فكل أزمة تؤكد “الجاهلية”، وكل صدام يعزز “المفاصلة”، وكل قمع يرسخ “المظلومية”.

غير أن انتشار هذا الإطار الفكري لم يكن نتاج بنيته الدائرية وحدها، بل كان أيضاً وليد لحظة تاريخية وسياقات جيوسياسية عاصفة وفرت له بيئة مثالية للنمو؛ فصدمة هزيمة عام 1967 وما تلاها من انكسار للمشاريع القومية واليسارية، ثم تصاعد المد الإسلامي في السبعينيات، والتحولات الكبرى المتمثلة في الثورة الإيرانية والحرب الأفغانية، كلها محطات تاريخية مواتية جعلت من التفسير القطبي الحاد الملاذ الأكثر جاذبية للأجيال المأزومة بالواقع والمحفوفة بالانكسارات. إن هذا التغيير البنيوي في طريقة التفكير أدى بالضرورة إلى انتقال مركز الثقل في الخطاب الإسلامي من إصلاح الإنسان إلى إصلاح السلطة، ومن بناء المجتمع إلى الصراع على الدولة، ليظل الفكر الإسلامي لقاطرة زمنية طويلة منشغلاً بقضايا الهوية والحاكمية أكثر من انشغاله بقضايا الدولة والمؤسسات والمواطنة. وقد أظهرت تجارب الإسلاميين المعاصرة حجم هذا المأزق المعرفي؛ فحين انتقلوا إلى موقع السلطة وإدارة الشأن العام، اكتشفوا محدودية هذا النموذج المعرفي في إدارة الدولة الحديثة، وتبيّن أن امتلاك خطاب محكوم بمفاهيم الجاهلية والمفاصلة لا يعني امتلاك نظرية متماسكة في إدارة الدولة الحديثة وحل مشكلات التنمية والاقتصاد وتأسيس المواطنة المتساوية، فقد تعامل هذا الفكر مع الدولة الوطنية ككيان ناقص الشرعية بدلاً من التعامل معها باعتبارها الإطار الطبيعي والوحيد لممارسة السياسة الحديثة.

وفي نهاية المطاف، يقودنا هذا التحليل المعرفي إلى مفارقة تاريخية مذهلة، وهي أن تأثير الرجل أصبح أوسع بكثير من جماعة الإخوان المسلمين؛ فبينما بقي التنظيم إخوانياً في آلياته الإدارية، فإن المخيال السياسي والنفسي لكثير من التيارات الإسلامية المعاصرة قد أصبح قطبياً بامتياز، لتنتصر طريقته في التفكير بعد وفاته بأشواط مما انتصرت في حياته. وهكذا يتضح أن ما تغيّر لم يكن بعض المفاهيم الجزئية، بل النموذج الإدراكي الذي أصبحت تُقرأ من خلاله النصوص والواقع والسياسة معاً. والأفكار الكبرى لا تنتهي أبداً بوفاة أصحابها، بل تنتهي فاعليتها حين تتغير وتتفكك الأسئلة المركزية التي أنجبتها. ولعل أعظم أثر تركه سيد قطب أنه لم يغيّر إجابات الإسلام السياسي بقدر ما غيّر الأسئلة التي يطرحها على نفسه وعلى العالم، لينقل الوعي الحركي كلياً من مربع “كيف نسوس المجتمع؟” إلى مربع “هل المجتمع مسلم أصلاً لنسوسه؟”. فالتاريخ لا يتحرك بالأفكار وحدها، بل بالأسئلة التي صاغت تلك الأفكار؛ وإذا كان سيد قطب قد غيّر أسئلة جيل كامل، فإن مراجعة إرثه تبدأ أساساً بإعادة النظر في تلك الأسئلة؛ فمن مراجعة الأسئلة تبدأ مراجعة الأفكار.

إلى اللقاء

كاتب رأي

 

 

عبدالعزيز الموسى

كاتب رأي وعضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.