في ظلال المسرح

الأوبريت الوطني في تفاصيل العمل المسرحي

الأوبريت الوطني في تفاصيل العمل المسرحي

بقلم: أ. محمد مفرق

ليس الأوبريت الوطني مجرد مجموعة من الأناشيد تُؤدّى على خشبة المسرح ، ولا مشاهد متتابعة تتكئ على الحماس والتصفيق بل هو شكل فني تتكامل فيه الكلمة واللحن والأداء والحركة والصورة والدراما لتقديم رؤية وطنية قادرة على مخاطبة الوجدان والعقل في آنٍ واحد وقد ارتبط الأوبريت في الذاكرة الثقافية العربية بالمناسبات الوطنية الكبرى لأنه يمتلك قدرة استثنائية على جمع الأصوات والأجساد والصور في مشهد واحد فيتحول المسرح من فضاء للعرض إلى فضاء للاحتفاء بالوطن وتتحول القصيدة من نص مكتوب إلى فعل حيّ تشارك فيه الجماعة .
الأوبريت ليس نشيداً طويلاً :
من أكثر الأخطاء شيوعًا في كتابة الأوبريت الوطني أن يُنظر إليه باعتباره نشيدًا طويلًا مقسمًا إلى مقاطع والحقيقة أن الأوبريت حين يكون عملاً مسرحياً ناضجاً ، يحتاج إلى بنية درامية فهناك بداية وتمهيد وتصاعد وتحول وذروة وخاتمة ، فالأغنية في الأوبريت ليست غاية مستقلة ، وإنما هي جزء من البناء المسرحي قد تأتي الأغنية لتكشف حالة شعورية ، أو تستحضر حدثاً تاريخياً ، أو تقدم شخصية ، أو تنتقل بالحدث من مرحلة إلى أخرى ، أو تجمع الشخصيات في لحظة جماعية تبلغ فيها الفكرة ذروتها ، ومن هنا فإن نجاح الأوبريت لا يقاس بعدد الأغاني الجميلة فيه ، وإنما بمدى قدرته على خدمة الحكاية والمشهد والفكرة بوصفه شخصية مسرحية في العمل المسرحي التقليدي يتعامل مع الشخصيات كمحركات للفعل الدرامي، أما في الأوبريت الوطني فإن الوطن نفسه يمكن أن يصبح الشخصية الكبرى التي تدور حولها الأحداث فالمدينة ، والإنسان ، والتاريخ ، والراية ، والأرض ، والذاكرة ، والإنجاز ، والمستقبل ؛ كلها يمكن أن تتحول إلى عناصر درامية تتفاعل داخل العمل ، وحين ينجح الكاتب في تحويل هذه المفردات من شعارات إلى صور ومواقف ، يصبح الوطن حاضراً على الخشبة بالفعل لا بالقول وحده ، فبدل أن تقول الشخصية: «نحن نحب الوطن»، يمكن للمشهد أن يجعل الجمهور يرى معنى الانتماء في موقف ، أو تضحية ، أو حكاية ، أو انتقال من جيل إلى جيل ، وهنا يتحول المعنى الوطني من خطاب مباشر إلى تجربة مسرحية .
ومن أهم الأمور أن قوة الأوبريت تكمن في الجماعة فمن الممكن أن يمتلك الأوبريت ميزة لا تتوافر بالقدر نفسه في كثير من الأشكال المسرحية ، وهي قدرته على توظيف الجماعة المسرحية أو ما يسمى بالجوقة ، والمجموعات الحركية ، وتعدد الأصوات ، وتنوع التكوينات البصرية ؛ كلها تمنح الأوبريت طاقة جماعية تتناسب مع طبيعة الموضوع الوطني .لكن الجماعة لا تعني الفوضى .فالمشهد الجماعي يحتاج إلى تصميم دقيق :
متى تظهر المجموعة ؟ ومتى تختفي ؟ كيف تتحرك؟ أين تقف ؟ من يقود الصورة ؟ ومتى ينتقل مركز الانتباه من شخصية إلى أخرى ؟
إن الحركة الجماعية في الأوبريت يجب أن تكون مثل الموسيقى؛ لها إيقاع وتصاعد وسكون وذروة .
فالأوبريت الوطني الناجح يبدأ من نص جيد ، والنص الجيد لا يعني كثرة الكلمات ، ولا تكرار المفردات ، وإنما يعني امتلاك لغة شعرية قادرة على صناعة الصورة فالكاتب المسرحي مطالب بأن يكتب ما يمكن أن يُرى ويُسمع ويُؤدّى ، لا ما يصلح للقراءة وحدها ولهذا فإن كتابة الأوبريت تحتاج إلى وعي مزدوج وعي بالشعر ووعي بالمسرح لأنه من الممكن أن تكون القصيدة جميلة على الورق ، لكنها لا تصلح بالضرورة للأداء المسرحي ؛ لأن المسرح يحتاج إلى جملة قابلة للنطق ، وإيقاع قابل للأداء ، ومساحات للصمت والحركة ، وتوزيع للأصوات ، ومقاطع يمكن أن تتحول إلى صورة .
أما الموسيقى فهي ليست فقط خلفية في الأوبريت ولا تأتي لترافق الكلمات فقط ، وإنما تشارك في صناعة الدراما ، وقد تكون الموسيقى هادئة في لحظة التأمل ، ثم تتصاعد مع تصاعد الحدث ، وقد تتغير بتغير المكان أو الزمن أو الحالة الشعورية .وهنا يظهر دور الملحن بوصفه شريكاً في البناء المسرحي ، لا مجرد ملحن للأغاني .كما أن توظيف الألوان الموسيقية المحلية والتراثية يمكن أن يمنح العمل هويته ، بشرط ألا يتحول التراث إلى مجرد زينة صوتية ، بل أن يكون جزءاً من الهوية الدرامية للعمل.
الصورة المسرحية في الأوبريت :
الصورة في الأوبريت ليست فناً بصرياً بقدر ما هي صورة غنائية فنية وحالة مسرحية مختلفة .فالسينوغرافيا ، والإضاءة ، والأزياء ، والإكسسوارات ، والفيديو ، والرقصات ، والتكوينات الجماعية ؛ كلها عناصر تسهم في تشكيل المعنى . فالتحدي الحقيقي هو ألا تتحول الخشبة إلى ازدحام بصري فليس كل ما يمكن وضعه على المسرح ينبغي وضعه على الخشبة دون توظيف حقيقي . فالصورة الأقوى هي التي تقول شيئاً . وقد يكون دخول مجموعة صغيرة في تكوين محسوب أكثر تأثيراً من عشرات المؤدين الذين يتحركون بلا وظيفة درامية .
ويمكن القول إن الأوبريت الوطني يحتاج إلى توازن حساس بين التاريخ والاحتفال ، فإذا غلب التاريخ تحول العمل إلى سرد وثائقي ، وإذا غلب الاحتفال تحول إلى مجموعة فقرات استعراضية منفصلة . أما الأوبريت المسرحي الحقيقي فيستفيد من التاريخ ليصنع الحاضر ، ويستحضر الماضي ليضيء المستقبل ، وهنا يستطيع الكاتب أن يبني العمل حول رحلة ، أو شخصية ، أو مكان ، أو حدث ، أو ذاكرة وطنية ، ثم يجعل الأغنية والحركة والصورة تتولد من هذه الرحلة .
الأوبريت الوطني وصناعة الوعي :
لا ينبغي أن ننظر إلى الأوبريت الوطني بوصفه وسيلة للترفيه في المناسبات فقط ، بل هو قادر على أن يكون أداة لصناعة الوعي والانتماء ، خصوصاً عندما يخاطب الأجيال الجديدة بلغة فنية معاصرة ، ويقدم لهم الوطن بوصفه قصة مستمرة ، والأعمال الوطنية التي تبقى في الذاكرة ليست بالضرورة تلك التي ترفع الصوت أكثر ، وإنما تلك التي تترك صورة لا تُنسى ، أو جملة تعلق في الذاكرة ، أو لحظة يشعر فيها المتلقي أن ما يحدث على الخشبة يعنيه شخصياً .
من المناسبة إلى الفن :
ربما يكون أكبر تحدٍ يواجه الأوبريت الوطني هو أن يتجاوز كونه «عمل مناسبة».فالمناسبة تنتهي، لكن الفن يبقى ، ولهذا ينبغي أن يتعامل الكاتب والمخرج والملحن والمصمم مع الأوبريت باعتباره عملاً فنياً كاملاً ، يمكن أن يعيش خارج زمن المناسبة ، وأن يجد مكانه في الذاكرة المسرحية والثقافية .ولذلك فالأوبريت الوطني الناجح هو الذي يجعل المناسَبة مناسِبةً له، لا أن يكون أسيراً لها.
ونلخص القول إن الأوبريت الوطني في جوهره مسرح تتكلم فيه المجموعة بصوت الوطن .وهو الشعر حين يتحرك، والموسيقى حين تصبح فعلاً ، والصورة حين تحمل معنى ، والجسد حين يتحول إلى لغة ، والمسرح حين يفتح خشبته أمام ذاكرة وطن ومستقبل وطن .ولذلك فإن كتابة الأوبريت ليست مهمة سهلة لأنها تتطلب كاتباً يفهم الشعر ، ومسرحياً يفهم الفعل ، وملحناً يفهم الدراما ، ومخرجاً يعرف كيف يحول النص إلى صورة ، وفريقًا يؤمن بأن العمل الوطني لا يكتمل بكثرة الشعارات ، وإنما بجمال الفن وصدق الفكرة وقوة التأثير .وحين تجتمع هذه العناصر ، لا يعود الأوبريت مجرد احتفال بالوطن، بل يصبح احتفالاً فنياً بالوطن ، وبالإنسان الذي يصنع تاريخه ، وبالمستقبل الذي يتطلع إليه.

 

إعلامي ومسرحي 

محمد مفرق

إعلامي ومسرحي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.