“منصة النصوص “

“منصة النصوص ”
فكرة وطنية تحمي المحتوى وتمكن المواهب
بقلم / محمد مفرق
ليس من الصعب أن تجد في المملكة كاتباً يمتلك فكرة سينمائية مدهشة ويحولها إلى نصٍّ مؤثر، أو نصاً مسرحياً قادراً على إبهار الجمهور، لكن الصعب أن يجد هذا الكاتب الطريق المناسب الذي يعبر من خلاله إلى شركات الإنتاج، دون أن يخشى على فكرته من الضياع، أو يقف حائراً بين البحث عن فرصة والخوف على حقوقه. وبين الموهبة والظهور، ما زالت هناك فجوة تستحق أن تُردم بحل مؤسسي يواكب الحراك الثقافي الذي تعيشه المملكة.
ومن هنا تنطلق فكرة إنشاء “منصة النصوص”، وهي فكرة منصة إلكترونية وطنية متخصصة في استقبال وحفظ وعرض وتسويق النصوص السينمائية والمسرحية، لتصبح نافذة رسمية تجمع المبدعين بجهات الإنتاج، وتحول النصوص الإبداعية إلى فرص استثمارية حقيقية، ضمن بيئة رقمية تحفظ الحقوق الفكرية وتحقق أعلى معايير السرية والاحتراف.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المملكة لا تعاني نقصاً في المواهب، بل تعيش ازدهاراً ملحوظاً في مجالات الكتابة الدرامية والسينمائية والمسرحية، بالتزامن مع النمو المتسارع الذي يشهده القطاع الثقافي. غير أن الكثير من هذه المواهب ما زالت تفتقد إلى قناة مؤسسية موثوقة تُمكّنها من الوصول إلى المنتجين بطريقة منظمة، وتمنحها الاطمئنان إلى أن أفكارها ستبقى مصونة حتى تتحول إلى أعمال فنية على أرض الواقع.
ويمكن للمنصة أن تعمل وفق منظومة واضحة تبدأ برفع الكاتب لنصه بعد استيفاء الإجراءات النظامية، ثم حفظه داخل قاعدة بيانات آمنة، مع إتاحة ملخص احترافي أو صفحات محددة فقط أمام جهات الإنتاج، بينما يبقى النص الكامل محمياً ولا يُكشف عنه إلا عند بدء المفاوضات الرسمية بين الطرفين. وبهذه الآلية تُبنى الثقة، ويُحفظ حق الكاتب، ويجد المنتج مساحة آمنة لاستكشاف الأعمال الجديدة دون تعقيدات.
كما ستوفر المنصة لشركات الإنتاج والمستثمرين مكتبة وطنية تضم نصوصاً موثقة وجاهزة للاطلاع، الأمر الذي يختصر الوقت في البحث عن الأفكار، ويزيد من فرص اكتشاف المواهب السعودية، ويُسهم في رفع جودة المحتوى المحلي، بدلاً من الاعتماد على قنوات فردية أو العلاقات الشخصية التي قد تحرم كثيراً من المبدعين من فرصهم المستحقة.
ولا تقف أهمية المشروع عند حفظ الحقوق أو تسويق النصوص، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة لتطوير صناعة الكتابة نفسها. فمن الممكن أن تتضمن المنصة برامج للتدريب المهني، وورشاً عمل معززة ، واستشارات قانونية في مجال الملكية الفكرية والعقود، إضافة إلى خدمات تقييم النصوص وتطويرها، بما يسهم في رفع جودة المخرجات الإبداعية، ويؤهل الكُتّاب للمنافسة محلياً ودولياً.
إن وجود منصة وطنية بهذا المستوى سيمنح النص الإبداعي قيمة جديدة؛ فبدلاً من أن يبقى مجرد ملف محفوظ في جهاز صاحبه، سيتحول إلى أصل ثقافي واقتصادي قابل للاستثمار، وقادر على أن يصبح فيلماً سينمائياً، أو عرضاً مسرحياً، أو عملاً درامياً يعكس بيئة عمل احترافية منظمة.
وتنسجم هذه الفكرة مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تنمية الاقتصاد الإبداعي، وتعزيز المحتوى المحلي، وتمكين الكفاءات الوطنية في مختلف القطاعات الثقافية. كما أنها ستعزز مبادئ الحوكمة والشفافية في العلاقة بين الكاتب والمنتج، وتوفر إطاراً احترافياً يقلل من النزاعات، ويشجع على الاستثمار في الأفكار الوطنية.
إن بناء صناعة سينمائية ومسرحية قوية لا يبدأ من الكاميرا، ولا من خشبة المسرح، بل يبدأ من النص. فالنص هو الشرارة الأولى لكل عمل ناجح، وإذا أردنا صناعة محتوى سعودي ينافس عالمياً، فعلينا أولاً أن نبني البيئة التي تدعم الكاتب، وتمنحه الثقة، وتفتح أمامه أبواب الوصول إلى المنتجين.
لعل الوسط الثقافي اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المواهب، فهي تزخر بها، وإنما تحتاج إلى منظومات ذكية تكتشف تلك المواهب، وتقدمها للساحة، وتربطها بالفرص. وربما تكون “منصة النصوص” واحدة من أكثر المبادرات قدرة على تحقيق هذا الهدف، لأنها لا تحفظ نصاً فحسب، بل تحفظ حلماً، وتمنح فكرةً وفرصةً لتصبح عملاً يخلد في ذاكرة الفن .
فكم من فيلم عظيم، وكم من مسرحية خالدة، ربما ما زالت تنتظر… منصة تمنحها حقها في أن تُولد.
إعلامي ومسرحي سعودي