السعودية سبقت الجميع… وإيران لم تتغيّر

السعودية سبقت الجميع… وإيران لم تتغيّر
في السياسة، ليست أخطر اللحظات هي لحظات الحرب، بل لحظات الهدوء التي تسبق العاصفة. فالحروب تُعلن، أما المشاريع الكبرى فتتحرك بصمت، وتعيد ترتيب أوراقها بعيدًا عن ضجيج المدافع.
ولهذا، فإن من يعتقد أن المنطقة دخلت مرحلة الاستقرار بعد المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، يقرأ المشهد بعين الحدث، لا بعين التاريخ.
لقد قلت ذلك بوضوح في سلسلة مقالاتي السابقة:
* “الشيطان الإيراني هو التفاصيل” – 25 مايو 2026.
* “إيران بعد الحرب… هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟” – 30 يونيو 2026.
* “حوار الطرشان…” – 8 يوليو 2026.
* “السعودية… وصناعة المستقبل” – 6 يوليو 2026.
وفي كل تلك المقالات كانت الفكرة واحدة:
المشكلة ليست في السلاح الإيراني، بل في طبيعة المشروع الإيراني نفسه.
واليوم، تؤكد الوقائع مرة أخرى أن المشروع لم ينتهِ، وإنما دخل مرحلة جديدة أكثر هدوءًا وأكثر دهاءً.
لقد انتهت الجولة العسكرية…
لكن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.
إيران لا تنكسر… بل تعيد التموضع
من يقرأ التاريخ الإيراني يدرك أن طهران لا تعتبر التراجع هزيمة، وإنما تعتبره جزءًا من تكتيك طويل.
فعندما تشتد الضغوط…
تفاوض.
وعندما تهدأ الضغوط…
تتوسع.
وعندما تُحاصر…
تشتري الوقت.
ثم تعود إلى النقطة التي توقفت عندها.
ولهذا لم تكن المشكلة يومًا في الاتفاق النووي، ولا في العقوبات، ولا حتى في الضربات العسكرية.
المشكلة الحقيقية أن المشروع الإيراني يقوم على مبدأ طويل المدى لا يتغير بتغير الحكومات أو الظروف.
إنه مشروع ينتظر الفرصة المناسبة فقط.
المنطقة تدخل أخطر مراحلها
اليوم لم تعد المواجهة عسكرية فقط.
بل أصبحت اقتصادية.
وسياسية.
واستخباراتية.
وتكنولوجية.
وأمنًا للطاقة.
وممرات بحرية.
وسلاسل إمداد.
وموانئ.
ومياه.
ومن يراقب البحر الأحمر، والخليج العربي، ومضيق هرمز، وخليج عدن، يدرك أن الصراع لم يعد يدور حول دولة بعينها، وإنما حول إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
ولهذا فإن الهدوء الحالي قد يكون أكثر خطورة من أصوات الصواريخ.
السعودية… عندما تتحرك الدول بعين المستقبل
وهنا تحديدًا يظهر الفرق السعودي.
فبينما انشغلت بعض الدول بردود الأفعال، كانت المملكة تعمل وفق رؤية بعيدة المدى، تبني تحالفاتها، وتعيد صياغة علاقاتها الدولية، وتقرأ المشهد قبل أن تتضح ملامحه للآخرين.
ولعل من أبرز الشواهد على ذلك نجاح المملكة في فتح صفحة جديدة مع إيران عبر الاتفاق الذي رعته الصين. كثيرون نظروا إليه آنذاك باعتباره مصالحة ثنائية، بينما كان في حقيقته خطوة استراتيجية هدفت إلى تخفيف التوتر الإقليمي، وحرمان المتطرفين من ذرائع التصعيد، وخلق هامش سياسي يحمي المنطقة إذا انفجرت الأزمات مستقبلاً.
واليوم، وبعد ما شهدته المنطقة من أحداث، تبدو تلك الخطوة وكأنها استثمار سياسي بعيد المدى أكثر منها اتفاقًا مرحليًا.
ولم يتوقف هذا البعد الاستراتيجي عند ذلك، بل امتد إلى تعزيز العلاقات السعودية مع باكستان، الدولة التي تمتلك خصوصية فريدة في علاقاتها مع إيران، وتحظى في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج، الأمر الذي جعلها إحدى أهم قنوات التواصل والوساطة في المرحلة الحالية.
ومن هنا، لا يبدو مستغربًا أن تتحول باكستان إلى إحدى القنوات الرئيسية التي يُعتمد عليها في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران. فإيران تدرك أن باكستان تمثل إحدى آخر حلقات الوصل الإقليمية التي لا تزال قادرة على مخاطبة جميع الأطراف، وهي بالنسبة لها أقرب إلى “شعرة معاوية” التي تحرص على عدم قطعها مهما اشتدت الخلافات.
ولهذا فإن قراءة المشهد الأخير تشير إلى أن إيران كانت حريصة على عدم توسيع دائرة المواجهة لتشمل المملكة العربية السعودية، رغم كل ما جرى في المنطقة. وقد يعود ذلك إلى جملة من الحسابات السياسية والعسكرية والدبلوماسية، ومن بينها إدراك طهران لحساسية الموقف الباكستاني، ورغبتها في عدم خسارة إحدى أهم قنواتها الإقليمية، إضافة إلى نجاح سياسة الردع السعودية التي جعلت كلفة أي تصعيد مباشر مع المملكة أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة.
وهذا هو الفارق بين السياسة التي تُبنى على ردود الأفعال، والسياسة التي تُبنى على استشراف المستقبل.
فالمملكة لم تنتظر الأزمة حتى تبدأ ببناء التحالفات، بل بنتها قبل سنوات، ولذلك وجدت نفسها اليوم في موقع من يمتلك الخيارات، لا من يبحث عنها.
ماذا بعد؟
أعتقد أن المنطقة تتجه إلى مرحلة مختلفة تمامًا.
لن يكون عنوانها الحرب الشاملة.
ولن يكون عنوانها السلام الكامل.
بل مرحلة طويلة من إعادة تشكيل النفوذ.
سنشهد تحالفات جديدة.
وتفاهمات مؤقتة.
وصراعات اقتصادية.
وضغوطًا استخباراتية.
ومنافسة على التكنولوجيا والطاقة والممرات البحرية.
أما إيران، فستحاول العودة عبر أدوات أقل تكلفة وأكثر تعقيدًا، مستفيدة من الوكلاء، والحرب السيبرانية، والاختراقات السياسية والإعلامية، ومحاولة كسر العزلة بالتفاوض حينًا، وبالضغط غير المباشر حينًا آخر.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل انتهت الحرب؟
بل أصبح:
كيف ستعود إيران إلى مشروعها؟
وأين ستكون نقطة البداية؟
الخلاصة
لقد كتبت قبل أسابيع أن المشكلة ليست في الحرب، بل فيما بعدها.
واليوم أكرر الفكرة نفسها.
فالشرق الأوسط لم يخرج من الأزمة.
بل خرج من فصل، ودخل فصلًا أكثر تعقيدًا.
والدول التي تمتلك رؤية بعيدة، ومؤسسات قوية، واقتصادًا متينًا، ستكون هي الأقدر على عبور المرحلة القادمة.
وقد أثبتت المملكة العربية السعودية، مرة أخرى، أن بناء النفوذ لا يكون بالصوت الأعلى، وإنما بالرؤية الأبعد، وبالتحالفات الأذكى، وبالقدرة على قراءة المستقبل قبل أن يتحول إلى واقع.
ولهذا لم يكن هدوء المملكة ترددًا، ولم تكن دبلوماسيتها تنازلًا، بل كانت جزءًا من استراتيجية متكاملة أثبتت الأحداث اللاحقة أنها كانت تسبق الجميع بخطوات.
وكما قلت في مقالاتي السابقة، فإن التاريخ لا يصنعه من يركض خلف الأحداث، بل من يفهم اتجاهها قبل أن يراها الآخرون.
والأيام القادمة ستكشف أن ما نراه اليوم ليس نهاية المشروع الإيراني، بل بداية مرحلة جديدة منه، وأن الدول التي استعدت لهذا التحول منذ سنوات ستكون هي الرابح الأكبر.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
13 يوليو 2026
