حوار الطرشان…

حوار الطرشان…
وها نحن نعود إلى نقطة البداية!
هناك مقالات تُكتب لتصف حدثًا، وهناك مقالات تُكتب لتقرأ المستقبل.
ومنذ أشهر، كنت أكتب تباعًا عن المشهد الأمريكي الإيراني، ولم تكن تلك المقالات انفعالًا مع الأخبار، بل كانت محاولة لقراءة ما يجري خلف الستار. واليوم، وبعد البيان السعودي الصادر في 7 يوليو 2026 الذي أدان استهداف إيران لناقلتي النفط السعودية والقطرية أثناء عبورهما مضيق هرمز، نجد أنفسنا أمام الحقيقة ذاتها التي حذرت منها منذ البداية: لم يتغير شيء… سوى أن الأحداث أثبتت صحة القراءة.
لقد عادت المنطقة إلى المربع الأول.
بل إلى ما هو أخطر.
من “الشيطان الإيراني هو التفاصيل”…
في مقالي “الشيطان الإيراني هو التفاصيل” المنشور بتاريخ 25 مايو 2026، قلت إن المشكلة ليست في التصريحات الإيرانية، وإنما في التفاصيل التي تُدار بها المفاوضات، لأن النظام الإيراني لا يرفض الاتفاق بصورة نهائية، ولا يقبله بصورة كاملة، وإنما يجيد شراء الوقت وإدارة الأزمات وتحويل كل هدنة إلى فرصة لإعادة التموضع.
واليوم…
ها هي التفاصيل نفسها تعود لتنفجر في مضيق هرمز.
ثم جاء “حوار الطرشان”
وفي 29 مايو 2026 نشرت مقال:
“حوار الطرشان مستمر… وتوم وجيري في مضيق هرمز”.
وقلت حينها إن ما يجري ليس تفاوضًا حقيقيًا، وإنما دائرة مغلقة من:
* تهديد.
* تفاوض.
* تسريب.
* تصعيد.
* تهدئة.
* ثم العودة إلى البداية.
وختمت المقال بالجملة الشعبية التي أصبحت عنوانًا للمشهد كله:
“تيتي تيتي… زي ما رحتي جيتي.”
واليوم…
أليس هذا تمامًا ما نراه؟
أمريكا تفاوض…
ثم تضغط…
ثم تتراجع…
ثم تعود للعقوبات…
ثم تعود للمفاوضات…
ثم تعلن أن الاتفاق قريب…
ثم تتحدث عن الخيار العسكري.
وفي المقابل…
إيران تفاوض…
ثم تهدد…
ثم تستخدم أذرعها…
ثم تنكر…
ثم تطلب الحوار…
ثم تعود إلى سياسة حافة الهاوية.
وكأن الجميع يتحرك داخل مسرحية يعرف نهايتها مسبقًا.
ثم جاءت مقالة…
“تيتي تيتي… زي ما رحتي جيتي”
عندما استخدمت هذا الوصف، لم يكن المقصود السخرية.
بل كان تلخيصًا سياسيًا دقيقًا لما يجري.
فبعد أشهر من الضجيج الإعلامي…
والمفاوضات السرية…
والوساطات…
واللقاءات…
والرسائل المتبادلة…
والتهديدات…
والتصريحات…
أين وصل العالم؟
عاد إلى:
* تهديد الملاحة.
* تهديد الطاقة.
* تهديد مضيق هرمز.
* وعودة الاستهداف المباشر للناقلات.
أي أننا عدنا إلى النقطة التي بدأنا منها.
البيان السعودي أغلق باب الوهم
البيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية لم يكن مجرد إدانة دبلوماسية.
بل حمل رسائل استراتيجية واضحة.
فقد أكد أن استهداف ناقلات النفط يمثل اعتداءً على:
* أمن الملاحة الدولية.
* سلامة الممرات البحرية.
* أمن الطاقة العالمي.
كما حمّل إيران المسؤولية الكاملة عن هذه الاعتداءات، وطالبها بالوقف الفوري لهذه الممارسات، معتبرًا أنها انتهاك للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن رقم 2216 كما ورد في البيان. (ويجدر التنبيه إلى أن البيان أشار إلى القرار بهذا الرقم).
وهذا يعني أن المملكة لم تعد تنظر إلى هذه الأحداث باعتبارها مجرد خلاف سياسي، وإنما باعتبارها تهديدًا مباشرًا للاستقرار الدولي.
ما الذي تغيّر؟
الإجابة باختصار…
لا شيء.
الوجوه نفسها.
الشعارات نفسها.
المفاوضون أنفسهم.
الوعود نفسها.
وحتى التصريحات أصبحت تتكرر حرفيًا.
وكأن المنطقة تدور داخل حلقة مغلقة منذ سنوات.
الفرق الوحيد…
أن السعودية كانت تبني…
بينما الآخرون كانوا يفاوضون.
ولهذا كتبت قبل أيام في مقالي:
“ينبع… الرؤية السعودية التي هزمت جغرافيا الأزمات.”
فبينما ظل العالم أسير مضيق هرمز…
كانت المملكة منذ عقود تبني البدائل.
وتؤسس خطوط الأنابيب.
وتطور ميناء ينبع.
وتحوّل البحر الأحمر إلى شريان استراتيجي للطاقة.
وهنا يظهر الفارق بين من يبني المستقبل…
ومن يعيش على صناعة الأزمات.
إيران لا تغيّر مشروعها…
بل تغيّر أدواته
وهذا ما أكدته أيضًا في مقالي الأخير:
“إيران بعد الحرب… هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟”
فالمشروع بقي كما هو.
لكن الوسائل فقط هي التي تتبدل.
مرة بالمفاوضات.
ومرة بالميليشيات.
ومرة بالتصعيد البحري.
ومرة بالهدنة.
ثم يعود المشهد كله من جديد.
الخلاصة
بعد كل ما جرى…
وبعد أشهر من الاجتماعات…
والتصريحات…
والوساطات…
والاتفاقات المؤقتة…
والرسائل السرية…
والضجيج الإعلامي…
وقف العالم اليوم أمام الحقيقة التي كتبتها منذ أشهر:
إنه حوار طرشان.
كل طرف يتحدث…
ولا أحد يريد أن يسمع.
ولهذا…
سنظل ندور داخل الحلقة نفسها…
حتى يدرك العالم أن الأمن لا يُبنى بالمجاملات السياسية، ولا بالمساومات المؤقتة، وإنما بالحزم، واحترام القانون الدولي، وحماية الممرات البحرية من الابتزاز.
وإلى أن يحدث ذلك…
فلن يكون عنوان المرحلة إلا الجملة التي ختمت بها مقالي قبل أشهر:
“تيتي تيتي… زي ما رحتي جيتي.”
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
8 يوليو 2026
