كُتاب الرأي

إيران بعد الحرب…

إيران بعد الحرب…

هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟

من يظن أن الحرب الأخيرة بين إيران وأمريكا ستلد لنا إيران جديدة، متصالحة، متسامحة، عاقلة، تحترم جيرانها، وتكفّ يدها عن المنطقة، فهو لا يقرأ التاريخ، ولا يفهم طبيعة هذا النظام، ولا يدرك أن المشروع الإيراني لا يتغير لأنه تلقى ضربة، بل يغيّر أدواته كي يستعيد أنفاسه.

إيران لا تتراجع لتتوب، بل تتراجع لتعيد التموضع.

وهنا تكمن خطورة الوهم السياسي؛ أن يخلط البعض بين الهدنة والتحول، وبين التفاوض والتراجع، وبين ضعف اللحظة وسقوط المشروع. فالنظام الإيراني بارع في لبس الأقنعة، ماهر في شراء الوقت، محترف في تحويل الهزيمة إلى مظلومية، والعزلة إلى مقاومة، والتراجع إلى حكمة، ثم يعود من الباب الخلفي بالمشروع نفسه، ولكن بوجه مختلف.

وقد قلت سابقًا في مقالي: “إيران… حين يتحول الدين إلى غطاء سياسي ومشروع فوضى” إن المشكلة ليست في الشعب الإيراني، فالشعوب تُحترم، وإنما في نظام جعل من الدين ستارًا، ومن المذهب جسرًا، ومن الشعارات مخدرًا، ومن الفوضى صناعة سياسية عابرة للحدود.

واليوم أقولها بوضوح أكبر:

من ينتظر من هذا النظام أن يصبح حمامة سلام بعد الحرب، كمن ينتظر من النار أن تعتذر عن الحريق.

المثل الشعبي يقول: “فم الكلب لا يطهر وذيله لا ينعدل.”
وهذا المثل هنا لا يقال على شعب ولا على أمة، بل على سلوك سياسي متجذر، وعلى نظام اعتاد الكذب حتى صار الكذب جزءًا من بنيته، واعتاد المراوغة حتى أصبحت المراوغة لغته الرسمية.

فإيران التي تفاوض اليوم هي نفسها التي تهدد غدًا.
وإيران التي توقع بيد، تحرك أذرعها باليد الأخرى.
وإيران التي تتحدث عن السلام في القاعات، تزرع الفوضى في الساحات.
وإيران التي تزعم الدفاع عن الأمة، لم تقدم للأمة إلا الميليشيات، والخراب، والانقسام، والدماء.

والأخطر أن البعض ما زال يتعامل مع إيران وكأنها دولة طبيعية تبحث عن تسوية طبيعية، بينما الحقيقة أنها نظام يجيد إدارة الصراع أكثر مما يجيد صناعة السلام.

والتاريخ شاهد.

فالمدرسة السياسية الفارسية لم تكن يومًا قصيرة النفس في التفاوض. لقد تفاوضت الإمبراطوريات الفارسية مع الدولة العثمانية قرونًا طويلة، في حروب وهدن واتفاقيات ومناورات. لم يكن التفاوض نهاية للصراع، بل كان جزءًا من الصراع نفسه. كانت الطاولة امتدادًا للميدان، وكانت الهدنة استراحة محارب لا إعلان ندم.

واليوم يتكرر المشهد بثوب جديد.

ومن المفارقات الساخرة أن من يتصدر الواجهة السياسية الإيرانية اليوم هو محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، و”قاليباف” في دلالتها اللغوية تعني حائك السجاد أو ناسج السجاد؛ وكأن القدر أراد أن يضع أمامنا عنوانًا رمزيًا لطريقة هذا النظام: ينسج خيوطه ببطء، يمدها بصبر، يلونها بخداع، ثم يفرشها أمام العالم على أنها سجادة تفاوض، بينما تحتها تخفى الألغام السياسية.

إيران لا تفاوض لتصل إلى سلام دائم، بل تفاوض لتؤجل الحساب، وتفك الحصار، وتكسب الزمن، وتعيد ترميم أذرعها، ثم تعود إلى المشروع ذاته.

وهنا يجب أن يكون الموقف الخليجي والعربي أكثر وعيًا وحزمًا.

لا يكفي أن نسمع تصريحات ناعمة.
لا يكفي أن نرى ابتسامات أمام الكاميرات.
لا يكفي أن تخرج إيران بخطاب جديد بعد ضربة موجعة ثم نقول: لقد تغيرت.

السؤال الحقيقي هو:

هل توقفت إيران عن العبث بأمن الخليج؟
هل تخلت عن أذرعها الطائفية؟
هل احترمت سيادة الدول؟
هل أغلقت مصانع الفوضى؟
هل كفّت عن تهديد الممرات البحرية؟
هل أصبحت دولة تنمية بدل دولة ميليشيات؟
هل غيّرت عقيدتها السياسية أم غيّرت نبرتها فقط؟

إن الفرق بين الدولة العاقلة والدولة المراوغة أن الأولى تبحث عن الاستقرار كغاية، والثانية تستخدم الاستقرار كفخ مؤقت. وإيران، بتجربتها الطويلة، لم تثبت أنها تريد سلامًا، بل أثبتت أنها تريد وقتًا.

وقتًا لتتنفس.
وقتًا لترمم.
وقتًا لتساوم.
وقتًا لتعود.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي حرب مع إيران ليس أن تخرج إيران قوية، بل أن يخرج الآخرون ساذجين.

السذاجة هنا أخطر من الصواريخ؛ لأن الصاروخ يُرى ويُرصد، أما الوهم فيدخل إلى العقل باسم الحكمة والواقعية والتهدئة.

نعم، لا أحد يريد الحرب.
ونعم، المنطقة تحتاج إلى استقرار.
ونعم، الحوار مطلوب إذا كان يحمي المصالح ويكشف النوايا.

لكن الحوار مع إيران بلا ذاكرة سياسية هو تفريط.
والتهدئة بلا ضمانات صلبة هي مغامرة.
والثقة في نظام احترف نقض الثقة ليست سياسة، بل غفلة.

إن إيران التي رأيناها خلال العقود الماضية ليست دولة تبحث عن الجوار الآمن، بل نظام يبحث عن الخاصرة الرخوة. يدخل من الطائفية، ومن الحاجة، ومن الفقر، ومن الشعارات، ومن المظلومية، ومن الفراغ السياسي، ثم يترك خلفه دولة ممزقة ومجتمعًا مأزومًا وقرارًا وطنيًا مخطوفًا.

ولذلك فإن من يراهن على “إيران جديدة” بعد الحرب عليه أن يثبت أولًا أن المشروع القديم قد مات.

أما أن تبقى الأدوات نفسها، والعقيدة نفسها، والوجوه نفسها، والتهديدات نفسها، ثم نطالب الناس بالتصديق أن إيران تغيرت، فهذا ليس تحليلًا سياسيًا، بل أمنية ساذجة.

إيران لا تحتاج إلى تغيير خطاب، بل إلى تغيير سلوك.
لا تحتاج إلى ابتسامة تفاوضية، بل إلى كف يدها عن المنطقة.
لا تحتاج إلى مؤتمر صحفي، بل إلى توقف فعلي عن تصدير الفوضى.
لا تحتاج إلى أن تقول إنها تريد السلام، بل إلى أن تتصرف كدولة تريد السلام.

أما قبل ذلك، فكل ما يجري ليس سوى تدوير للأزمة بلغة جديدة.

لقد كان الدين في يد هذا النظام غطاءً سياسيًا، وكانت المقاومة عنده بطاقة ابتزاز، وكانت فلسطين عنده منصة نفوذ، وكان الخليج عنده هدفًا دائمًا للضغط، وكانت الشعوب العربية عنده ساحات مفتوحة للتجارب.

ومن لم يتعلم من العراق وسوريا ولبنان واليمن، فلن يعلمه بيان تفاوضي ولا ابتسامة دبلوماسية.

الخلاصة أن إيران بعد الحرب لن تصبح ملاكًا لأنها خافت، ولن تصبح جارة صالحة لأنها تألمت، ولن تصبح دولة طبيعية لأنها جلست على الطاولة.

فالذيل الذي لم ينعدل عبر عقود، لن ينعدل في ليلة تفاوض.

ومن يظن غير ذلك، فليقرأ التاريخ قبل أن يصفق للهدنة.

بقلم:
مهندس صالح بن سعيد المرزم
27 يونيو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.