كُتاب الرأي

حضرموت … الحديقة الخلفية للسعودية

حضرموت … الحديقة الخلفية للسعودية

حين يتحدث البعض عن حضرموت وكأنها مجرد مساحة جغرافية بعيدة على أطراف الجزيرة العربية، فإنهم يتجاهلون حقيقة تاريخية وجيوسياسية راسخة عمرها قرون طويلة. فحضرموت لم تكن يوماً هامشاً معزولاً عن محيطها الطبيعي، بل كانت جزءاً من العمق الاستراتيجي الذي ارتبط بالمملكة العربية السعودية منذ قيام الدولة السعودية الأولى عام 1744م.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: ما أهمية حضرموت للسعودية؟

بل السؤال الحقيقي هو:

ماذا يعني للسعودية أن تفقد حضرموت مكانتها الطبيعية ضمن منظومتها الأمنية والاقتصادية والتاريخية؟

من يقرأ التاريخ بعيداً عن الشعارات يدرك أن العلاقة بين حضرموت والجزيرة العربية لم تكن علاقة جوار عابر، بل علاقة دم ونسب وتجارة وهجرة وبيعة ومصالح مشتركة. فمئات الآلاف من الحضارم أسهموا في بناء المملكة الحديثة، وشاركوا في نهضتها الاقتصادية والعلمية والإدارية، وأصبحوا جزءاً أصيلاً من نسيجها الوطني.

ولم يكن الحضور الحضرمي في المملكة مجرد وجود بشري، بل كان شراكة حضارية ممتدة من مكة المكرمة إلى جدة والرياض والدمام، ساهمت في التجارة والتعليم والعمران والاقتصاد.

إن من يعتقد أن حضرموت قضية محلية ضيقة لا يدرك طبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة.

فحضرموت تمتلك أطول شريط ساحلي على بحر العرب، وتتحكم بمواقع استراتيجية قريبة من خطوط الملاحة الدولية والطاقة العالمية، كما أنها تشكل عمقاً جغرافياً مهماً للجزيرة العربية بأكملها.

ولهذا فإن أي فراغ سياسي أو أمني في حضرموت لا يمثل تهديداً للحضارم وحدهم، بل ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الإقليمي بأسره.

ومن هنا تأتي أهمية التكامل السعودي الحضرمي.

ليس بوصفه مشروعاً عاطفياً أو حنيناً للماضي، بل باعتباره ضرورة استراتيجية للمستقبل.

العالم اليوم يتغير بسرعة هائلة، والدول الكبرى تعيد رسم خرائط النفوذ والمصالح. وفي ظل هذه التحولات، يصبح من الخطأ النظر إلى حضرموت باعتبارها مجرد ملف سياسي مؤجل، بينما هي في الحقيقة إحدى أهم الأوراق الاستراتيجية في جنوب الجزيرة العربية.

لقد أثبتت العقود الماضية أن مشاريع الفوضى والصراعات لم تنتج تنمية ولا استقراراً ولا رخاءً. بينما أثبتت التجربة السعودية أن الأمن والاستقرار وبناء الدولة والتنمية المستدامة هي الطريق الحقيقي لصناعة المستقبل.

ولهذا فإن الحديث عن حضرموت لا يجب أن يظل أسير الأزمات اليومية، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.

رؤية تنظر إلى حضرموت باعتبارها شريكاً طبيعياً للمملكة العربية السعودية، وامتداداً تاريخياً وحضارياً واقتصادياً وأمنياً لا يمكن تجاهله.

إن المستقبل لا تصنعه الشعارات، بل تصنعه المصالح المشتركة والحقائق الجغرافية والتاريخية.

وحضرموت كانت وستظل رقماً صعباً في معادلة الجزيرة العربية.

ومن لا يفهم هذه الحقيقة اليوم، سيكتشفها غداً عندما تصبح الوقائع أقوى من كل محاولات الإنكار.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
24 يونيو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.