كُتاب الرأي

مالك بن نبي.. مهندس النهضة وبناء الإنسان

مالك بن نبي.. مهندس النهضة وبناء الإنسان

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

يُعد المفكر الجزائري مالك بن نبي – رحمه الله – أحد أبرز رواد الفكر الإسلامي الحديث، ومن أكثر المفكرين الذين انشغلوا بسؤال النهضة وأسباب التقدم والتخلف في العالم الإسلامي. وقد انطلقت رؤيته من إيمان عميق بأن الحضارة لا تُبنى بالموارد المادية وحدها، بل تقوم على الإنسان والفكرة والقيم التي تمنح المجتمع القدرة على العمل والإبداع.

رأى مالك بن نبي أن أزمة المسلمين ليست أزمة عقيدة بقدر ما هي أزمة فاعلية؛ فالإسلام يمتلك من المبادئ والقيم ما يؤهله لصناعة حضارة رائدة، لكن الخلل يكمن في ضعف تحويل هذه المبادئ إلى سلوك عملي ومنهج حياة. لذلك كان يؤكد أن النهضة تبدأ بإصلاح الإنسان وإحياء روح المسؤولية والعمل والإنتاج.

ومن أبرز أفكاره أن الدين يمثل عنصراً أساسياً في نشأة الحضارات وازدهارها، لأنه يمنح الإنسان الدافع الأخلاقي والروحي الذي يوجه طاقاته نحو البناء والعطاء. ولهذا ربط بين تراجع المجتمعات الإسلامية وبين تراجع أثر القيم الدينية في الحياة العامة.

كما أولى الثقافة أهمية كبيرة، وعدّها الرأسمال المعنوي الذي يتشكل منه وعي الفرد وشخصيته. فالثقافة ليست مجرد معارف ومعلومات، بل منظومة من القيم والأخلاق والعادات التي تحفظ هوية المجتمع وتحقق تماسكه. ومن هنا حذّر من الغزو الثقافي الذي يستهدف إضعاف الهوية وزعزعة الثقة بالذات الحضارية للأمة.

وكان يؤمن بأن المجتمع الذي لا ينتج أفكاره الأساسية بنفسه لن يستطيع أن ينتج مستقبله، وأن استيراد الحلول دون فهم الواقع لا يصنع نهضة حقيقية. فالنهضة في نظره مشروع داخلي ينطلق من الذات ويستفيد من تجارب الآخرين دون أن يفقد أصالته واستقلاله.

ورغم أن مالك بن نبي لم يحظَ في حياته بما يستحقه من تقدير في بعض الأوساط العربية، فإن أفكاره لاقت اهتماماً واسعاً في العديد من دول العالم، واستفاد منها باحثون ومفكرون في دراسة قضايا التنمية والحضارة.

لقد ترك مالك بن نبي إرثاً فكرياً ثرياً ما زال قادراً على إلهام الأجيال الجديدة، وتبقى دعوته إلى بناء الإنسان وإحياء الثقافة وترسيخ الفاعلية من أهم المفاتيح التي تحتاجها أمتنا في طريقها نحو التقدم والنهضة.

كاتب رأي 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.