جامعة ويلز… حكاية أمة بنت هويتها بالعلم

جامعة ويلز… حكاية أمة بنت هويتها بالعلم
بقلم: بكري بن معتوق عساس
عندما تُذكر الجامعات العريقة في المملكة المتحدة تتجه الأنظار غالباً إلى أكسفورد وكامبريدج، غير أن تاريخ التعليم العالي البريطاني يضم مؤسسات أخرى أسهمت بعمق في صناعة المعرفة وبناء الهوية الثقافية لشعوبها. ومن بين هذه المؤسسات تبرز جامعة ويلز، التي ارتبطت بتاريخ النهضة التعليمية الويلزية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأصبحت رمزاً لطموح أمة صغيرة آمنت بأن العلم هو الطريق الأقصر إلىالحضور والتأثير.
شهد القرن التاسع عشر حراكاً ثقافياً وتعليمياً واسعاً في ويلز، حيث تنامى الشعور بالحاجة إلى مؤسسة جامعية وطنية تمنح أبناء البلاد فرصة الحصول على تعليم عالٍ دون الاضطرار إلى الانتقال إلى إنجلترا. ومع ازدهار الحركة الثقافية الويلزية وارتفاع الوعي بأهمية التعليم، بدأت المطالب تتزايد لإنشاء جامعةتمثل ويلز أكاديمياً.
في عام 1827م تأسست جامعة ويلز بموجب ميثاقملكي لتكون جامعة اتحادية تضم عدداً من الكليات القائمة آنذاك. وكانت كلية أبريستويث وكلية بانغور وكلية كاردف النواة الأولى للجامعة، ثم انضمت إليها مؤسسات أخرى خلال العقود اللاحقة. وقد مثّل تأسيس الجامعة حدثاً تاريخياً مهماً في مسيرة ويلزالتعليمية والثقافية.
وخلال القرن العشرين توسعت الجامعة بصورة كبيرة، وتزايد عدد طلابها وبرامجها الأكاديمية، كما أصبحت مظلة لمؤسسات تعليمية متعددة داخل ويلز. وأسهم هذا النمو في تعزيز مكانتها داخل المملكة المتحدةوخارجها.
ارتبط اسم جامعة ويلز بعدد من أعرق المؤسسات الأكاديمية في البلاد، من أبرزها
– جامعة أبريستويث، إحدى أقدم مؤسسات التعليم العالي في ويلز.
– جامعة بانغور المعروفة ببرامجها المتميزة في العلوم الإنسانية والطبيعية.
– جامعة كاردف التي أصبحت لاحقاً من أبرز الجامعات البحثية البريطانية.
– جامعة سوانزي التي اكتسبت شهرة واسعة فيالهندسة والعلوم التطبيقية.
وقد أسهمت هذه المؤسسات مجتمعة في بناء السمعة الأكاديمية للجامعة الاتحادية، وكانت سبباً في انتشارتأثيرها العلمي والثقافي.
على امتداد تاريخها استقطبت الجامعة عدداً من العلماء والباحثين المرموقين. ويُعد السير جون ميوريج توماس من أبرز الأسماء العلمية المرتبطة بمؤسسات جامعة ويلز، وهو أحد أشهر علماء الكيمياء في العالم خلال القرن العشرين، واشتهر بأبحاثه في التحفيزوالكيمياء الصلبة.
كما شهدت كليات الجامعة نشاطاً بحثياً واسعاً في مجالات الفيزياء والرياضيات والجيولوجيا والطب والعلوم الاجتماعية، وأسهم أساتذتها في نشر مئات الدراسات والأبحاث التي أثرت المعرفة الإنسانية.
خرجت جامعة ويلز وكلياتها التاريخية عدداً كبيراً من الشخصيات المؤثرة. ومن أبرز الأسماء العربية الدكتور زغلول النجار الذي حصل على درجة الدكتوراه من جامعة ويلز وبرز لاحقاً في مجال الجيولوجيا والفكرالإسلامي.
كما ارتبطت الجامعة بعدد من الشخصيات العامة والأكاديمية والإعلامية البارزة، ومن بينهم سياسيون ومفكرون وأدباء أسهموا في خدمة مجتمعاتهم وترسيخمكانة التعليم والمعرفة.
لم يكن دور الجامعة أكاديمياً فقط، بل لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على اللغة الويلزية ودعم الدراسات المتعلقة بتاريخ البلاد وأدبها وتراثها الشعبي. وأسهمت في إعداد باحثين ومتخصصين عملوا على توثيق الثقافة الويلزية وتعزيز حضورها في العالم المعاصر.
أصبحت الجامعة مركزاً للبحث العلمي في العديد من المجالات، وأسهمت مشاريعها البحثية في تطوير العلوم الطبيعية والتطبيقية والإنسانية. كما ساعدت في إعداد أجيال من الباحثين الذين عملوا في الجامعات والمؤسسات العلمية حول العالم.
شهدت الجامعة خلال العقود الأخيرة سلسلة من التغييرات الإدارية والأكاديمية نتيجة التحولات التي طرأت على منظومة التعليم العالي البريطانية. وأصبحت العديد من الكليات التاريخية جامعات مستقلة، إلا أن اسم جامعة ويلز ظل حاضراً بوصفه جزءاً مهماً من تاريخ التعليم العالي في البلاد.
تبقى جامعة ويلز مثالاً على قدرة التعليم على بناء الهوية وصناعة المستقبل. فمن مؤسسة تأسست لخدمة مجتمع محلي، تحولت إلى علامة أكاديمية معروفة ارتبطت بالبحث العلمي والثقافة والمعرفة. وبين جدران كلياتها وقاعاتها الدراسية تخرج علماء ومفكرون وباحثون حملوا رسالتها إلى أنحاء العالم، لتظل شاهداً على أن الأمم التي تستثمر في العلم تكتبها لنفسها مكانة دائمة في سجل الحضارة
كاتب رأي
