«ثقافة العيب»

«ثقافة العيب»
حين كانت كلمةٌ واحدة تبني جيلاً
بقلم: د. بكري معتوق عساس
بعضُ العبارات والكلمات تمتلك قدرةً عجيبة على أن تعيدنا عشرات السنين إلى الوراء، فنستحضر زمناً جميلاً وقِيَماً راسخةً تربّينا عليها، ونستعيد مواقف ما زالت آثارها حاضرة في الوجدان. ومن بين تلك الكلمات كلمة «عيب»، التي أعادتني إليها رسالةٌ وصلتني من صديق عزيز، فاستوقفتني بما حملته من معانٍ عميقة ودلالات تربوية واجتماعية.
لقد كانت كلمة «عيب» في زمن الآباء والأجداد أكثر من مجرد لفظة عابرة؛ كانت منهجاً تربوياً مختصراً، يضبط السلوك، ويهذب النفوس، ويغرس الذوق العام والاحترام. لم تكن قائمة على التخويف، بل على استثارة الضمير وإحياء الحياء، فالحياء شعبة من الإيمان، وإذا استيقظ الضمير استقام السلوك.
تحيةً لتلك الكلمة التي سمعناها من أفواه الأمهات والآباء، فتقبلناها بمحبة، وأدركنا أنها لم تُقَل إلا لتصحيح خطأ أو تقويم اعوجاج، حتى غدت مدرسةً كاملة اختُزلت في أربعة أحرف.
لقد تخرّج من «أكاديمية عيب» رجال عرفوا الشهامة والمروءة، ونساء تحلين بالصبر والحشمة وحسن الخلق، فأسهموا في بناء مجتمع يقوم على الاحترام والتقدير وحفظ الحقوق.
وكانت كلمة «عيب» تؤسس لمعانٍ نبيلة؛ فهي التي جعلت الصغير يوقر الكبير، والجار يحفظ حق جاره، والأرحام تتواصل بالمودة، والألسنة تمتنع عن الغيبة والنميمة، والأعين تغض أبصارها، والأيدي تكف أذاها عن الآخرين.
وكان يقال للفتاة: «عيب، اخفضي صوتك، وتحلي بالحياء»، ويقال للشاب: «عيب، غض بصرك، واحترم الناس»، ويقال للصغار: «عيب، لا تنقلوا أسرار البيوت»، فكانت الكلمة تصنع رقابةً ذاتية قبل أن تفرضها الأنظمة والقوانين.
ولم تكن كلمة «عيب» بديلاً عن الحلال والحرام، وإنما كانت جسراً يقود إليهما، فهي تغرس الذوق قبل العقوبة، وتربي على الفضيلة قبل الزجر. فليس كل ما يُستقبح اجتماعياً محرمٌ شرعاً، لكنه قد يكون منافياً للمروءة، أو الذوق، أو حسن الخلق، ولذلك قيل: «من لا يستحي لا يستحيي».
ثم جاء زمنٌ ظن بعضنا فيه أن كلمة «عيب» لم تعد صالحة للتربية، وأنها من بقايا الماضي، فأسقطها من قاموسه، واستبدلها بمفاهيم لم تستطع دائماً أن تملأ الفراغ القيمي. وكانت النتيجة أن كثيراً من السلوكيات لم تُقوَّم لا بكلمة «عيب»، ولا حتى بكلمة «حرام»، لأن التربية تبدأ ببناء الضمير قبل بناء المعرفة.
إن المجتمعات الراقية لا تقوم على القوانين وحدها، بل على منظومة من القيم التي تجعل الإنسان يبتعد عن الخطأ لأنه يستقبحه، لا لأنه يخشى العقوبة فقط. وعندما يصبح فعل الخير عادة، ويصبح الخطأ «عيباً» في نظر المجتمع، يترسخ الانضباط، ويزدهر الاحترام، وتسمو العلاقات الإنسانية.
وأقول ختاماً: ليس العيب في أن نستحضر كلمة «عيب»، وإنما العيب الحقيقي أن نفقد المعاني الجميلة التي كانت تحملها، وأن نسقط من قاموسنا قيمةً أسهمت في بناء أجيال عرفت الأدب، والحياء، والوفاء، واحترام الإنسان.
كاتب رأي


