كُتاب الرأي

الليلة الكبيرة

الليلة الكبيرة

حكاية المولد المصري في أوبريت لا يُنسى

بقلم: بكري عساس

تُعد «الليلة الكبيرة» واحدة من أشهر الأعمال الغنائية التي ارتبطت بالذاكرة المصرية، وظلت حاضرة في الوجدان العربي بما تحمله من خفة ظل، وثراء فني، وقدرة لافتة على تصوير تفاصيل الحياة الشعبية. وقد كُتب الأوبريت عام 1961م بكلمات الشاعر والفنان صلاح جاهين، ووضع ألحانه الموسيقار سيد مكاوي، وشارك في أدائه عدد من أشهر المطربين والمطربات، وكان يُذاع عبر الإذاعة المصرية.

ولم تكن «الليلة الكبيرة» مجرد عمل غنائي للتسلية، بل كانت لوحة فنية نابضة بالحياة، رسم فيها صلاح جاهين ملامح المولد الشعبي بكل ما فيه من حركة وضجيج وبهجة وشخصيات متباينة. ومن خلال الكلمات والألحان، ينتقل المستمع إلى عالم المولد؛ حيث الباعة والمتفرجون والأطفال وأصحاب المهن وأهل الفرجة، في مشهد يجمع بين الطرافة والواقعية، ويكشف في الوقت نفسه عن تفاصيل دقيقة من الحياة الشعبية المصرية.

وفي ثمانينيات القرن العشرين، انتقلت «الليلة الكبيرة» من عالم الإذاعة إلى عالم مسرح العرائس، في تجربة فنية أصبحت من أشهر ما قُدم لهذا الفن في مصر. أخرج العمل الفنان صلاح السقا، وصمم عرائسه الفنان ناجي شاكر، ليولد الأوبريت من جديد في صورة بصرية مبهرة، امتزج فيها الغناء بالمسرح والحركة والعرائس.

وقد نجح العرض في تقديم المولد الشعبي من خلال مجموعة كبيرة من الشخصيات التي أصبحت جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة، ومنها: الأراجوز، وبائع الحمص، وبائع البخت، والقهوجي، والمعلم، والعمدة، والراقصة، ومدرب الأسود، والأطفال، والمصوراتي، ومعلن السيرك، والمنشد، والفلاح.

وكانت هذه الشخصيات، على اختلاف أدوارها، أشبه بقطع فسيفساء اكتملت بها صورة المولد؛ فكل شخصية تحمل ملامحها الخاصة، وكل حركة أو جملة تضيف تفصيلًا جديدًا إلى المشهد العام. ولهذا لم يكن نجاح «الليلة الكبيرة» قائمًا على الموسيقى وحدها، وإنما على تكامل النص واللحن والأداء والعرائس والإخراج، حتى أصبحت تجربة فنية متكاملة تتجاوز زمن تقديمها.

ونُفذ تصوير العمل بواسطة «الوحدة الثامنة ألوان» بالتلفزيون المصري، ليبقى العرض محفوظًا في الذاكرة بوصفه أحد أبرز نماذج الفن الذي استطاع أن يجعل من تفاصيل الحياة اليومية مادة للإبداع.

وبعد مرور عقود على ظهورها، لا تزال «الليلة الكبيرة» قادرة على جذب الكبار والصغار؛ لأنها لم تقدم المولد الشعبي بوصفه مجرد احتفال عابر، بل حولته إلى حكاية مصرية نابضة بالحياة، تتداخل فيها البهجة والسخرية والموسيقى والإنسان. وربما كان سر بقائها أن كل جيل يجد فيها شيئًا يشبهه، وكلما عادت ألحانها وشخصياتها إلى الواجهة، عاد معها شيء من روح مصر القديمة، ببساطتها ودفئها ومرحها الذي لا يغيب.

كاتب رأي

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.