كُتاب الرأي

هرمز… اليوم التالي

هرمز… اليوم التالي

المقال الختامي من سلسلة: مضيق هرمز ومستقبل أمن الخليج

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم

6 سبتمبر 2026

بدأت هذه السلسلة بسؤال: هل أمريكا جادة في فتح مضيق هرمز للعالم؟

ثم انتقلت إلى الجغرافيا الأكثر حساسية: هل تدخل الجزر في المعادلة؟

وفي المقال الثالث وصلت إلى خلاصة سياسية اختصرتها في عنوان: «هرمز… القيادة للسعودية».

أما اليوم، وفي ختام السلسلة، فالسؤال لم يعد كيف يُفتح المضيق، ولا ماذا سيحدث للجزر، ولا حتى من يقود المبادرة.

السؤال أصبح أكبر:

ماذا سيولد من هذه الحرب؟

لأن إعادة السفن إلى هرمز ليست نهاية الأزمة. وإذا انتهت الحرب ثم عادت المنطقة بعد سنوات إلى المعادلة نفسها، فإن العالم لم يحل المشكلة؛ بل أجّلها.

المشكلة الحقيقية لم تكن يومًا صاروخًا أو زورقًا أو لغمًا.

المشكلة كانت أن أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي أصبح جزءًا من منظومة الردع العسكري لدولة واحدة.

ولهذا فإن النتيجة الحقيقية لهذه الحرب ستقاس بسؤال واحد:

هل تبقى ورقة إغلاق هرمز موجودة بعدها؟

عندما تتحول ورقة الردع إلى عبء

طوال عقود كان مجرد التهديد بإغلاق هرمز يمنح إيران قوة تفوق أحيانًا حاجتها إلى استخدام هذه القوة.

لكن الأوراق الاستراتيجية تكون أحيانًا أقوى وهي في الجيب.

وعندما تستخدمها، فإنك تدفع الآخرين إلى البحث عن طريقة لانتزاعها منك.

وهنا، في تقديري، ارتكبت طهران خطأً استراتيجيًا كبيرًا.

فهي لم تجعل هرمز مشكلة بينها وبين الولايات المتحدة أو دول الخليج فحسب، بل جعلته مشكلة للصين والهند واليابان وكوريا وأوروبا وكل اقتصاد يعتمد على تدفق الطاقة والتجارة عبر الخليج.

وهكذا تحولت القضية من:

كيف نردع إيران؟

إلى:

كيف نمنع أي دولة مستقبلًا من امتلاك القدرة على تعطيل هذا الشريان العالمي؟

وهذا تحول بالغ الأهمية.

الحرب تغير القدرات… لا الجغرافيا

يمكن تدمير الرادارات ومنصات الصواريخ والزوارق والقواعد.

ويمكن إزالة الألغام وفتح الممرات.

لكن إيران ستبقى على الضفة الأخرى من الخليج.

وستبقى الجزر.

وسيظل هرمز ضيقًا وحساسًا.

ولهذا فإن أي انتصار عسكري لا يعقبه نظام أمني جديد سيظل انتصارًا مؤقتًا.

يمكن للحرب أن تنتزع قدرة إيران الحالية على إغلاق هرمز، لكن السياسة وحدها تستطيع منع إعادة بناء هذه القدرة.

وهنا يبدأ اليوم التالي.

عندما تصمت المدافع تبدأ المعركة الأهم

بعد الحرب ستظهر أسئلة لا تستطيع الصواريخ الإجابة عنها:

من يضمن حرية الملاحة؟

كيف تتم مراقبة المضيق؟

من يملك قدرات نزع الألغام والإنذار المبكر؟

ما حدود إعادة عسكرة الساحل والجزر؟

وكيف نمنع تكرار الأزمة بعد خمس أو عشر سنوات؟

هذه ليست تفاصيل فنية.

هذه هي ملامح النظام الأمني القادم للخليج.

وإذا لم تضع دول الخليج تصورها لهذا النظام، فستضعه القوى الكبرى نيابة عنها.

ومن هنا يصبح ما طرحته في المقال الثالث — «هرمز… القيادة للسعودية» — أكثر من مجرد عنوان.

إنه استحقاق سياسي.

القيادة ليست دخول الحرب

عندما أقول إن القيادة للسعودية، فلا أقصد أن تدخل المملكة حربًا ليست بحاجة إليها، ولا أن تحل محل الولايات المتحدة عسكريًا.

المقصود أن تتقدم الرياض إلى الطاولة التي ستكتب قواعد ما بعد الحرب.

وهنا تمتلك المملكة عناصر قوة يصعب جمعها لدى طرف آخر.

فهي قوة خليجية وعربية وإسلامية مركزية، ومن أهم دول الطاقة في العالم، ولها شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه علاقات واسعة مع الصين والهند وأوروبا وروسيا.

وهذا يمنحها القدرة على نقل أمن هرمز من قضية تحالفات متصارعة إلى قضية مصالح مشتركة.

فالصين لا تحتاج إلى الاتفاق سياسيًا مع واشنطن لكي تريد مرور ناقلات النفط بأمان.

والهند واليابان وكوريا وأوروبا لا تحتاج إلى الدخول في حرب مع إيران لكي ترفض أن تصبح إمداداتها رهينة لأي صراع إقليمي.

وهنا تحديدًا تستطيع الرياض أن تجمع ما يصعب على واشنطن جمعه.

المطلوب: نزع سلاح الإغلاق

لا نحتاج إلى تغيير حدود إيران.

ولا إلى احتلال جزرها.

ولا إلى انتزاع سيادة عُمان على جانبها من المضيق.

المطلوب أبسط في تعريفه، وأكبر في نتائجه:

نزع سلاح الإغلاق من معادلة الخليج.

أي تحويل حرية الملاحة إلى قاعدة دولية محمية بترتيبات عملية ودائمة: مراقبة وإنذار مبكر، وقدرات لنزع الألغام، وتبادل للمعلومات، وحماية للسفن التجارية، ووجود بحري متعدد الأطراف يمنع تحويل المضيق مرة أخرى إلى رهينة.

عندها يصبح إغلاق هرمز ليس مجرد عمل عسكري ضد خصم، وإنما اعتداءً على نظام دولي تشترك القوى الكبرى نفسها في حمايته.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي للسعودية أن تقود صياغتها.

الخليج أولًا… ثم العالم

لكن القيادة السعودية لا تعني الانفراد.

الإمارات شريك أساسي، ولديها فوق ذلك قضية أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، التي قد تجد في المرحلة المقبلة مساحة سياسية وقانونية جديدة لإعادة طرحها.

وعُمان ليست تفصيلًا؛ فهي الشريك العربي في جغرافية المضيق، ومن دون مسقط سيكون أي نظام جديد أقل توازنًا وشرعية.

لذلك يجب أن تبدأ المعادلة من داخل المنطقة:

السعودية تقود، والإمارات وعُمان ودول مجلس التعاون تشارك في الصياغة، ثم يأتي العالم شريكًا في الضمان.

وهذا فارق جوهري.

فالمطلوب ألا يفرض العالم نظامًا أمنيًا جديدًا على الخليج، بل أن يقدم الخليج تصوره للعالم.

والبحر الأحمر جزء من الإجابة

هناك درس آخر لا ينبغي للسعودية أن تغفله.

حتى لو أصبح هرمز أكثر أمنًا، فإن الاعتماد المفرط على ممر استراتيجي واحد يظل مخاطرة.

وهنا تمتلك المملكة ميزة جغرافية هائلة: ساحلان، لا ساحل واحد.

الخليج شرقًا والبحر الأحمر غربًا.

ولهذا ينبغي أن تسير الاستراتيجية السعودية في مسارين متوازيين:

ضمان هرمز دوليًا، وتقليل الاعتماد السعودي عليه استراتيجيًا.

كل توسع في خطوط نقل الطاقة إلى البحر الأحمر، وكل زيادة في قدرات الموانئ والتخزين والبنية اللوجستية على الساحل الغربي، تضيف للمملكة هامشًا أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

وهكذا تصبح السعودية ليست فقط دولة تسهم في حماية الممرات، بل دولة تمتلك البدائل أيضًا.

وإيران جزء من النهاية

قد يبدو غريبًا أن نقول ذلك بعد حرب، لكن أي نظام دائم لأمن هرمز لا يمكن أن يقوم على حرب أبدية مع إيران.

إيران ستبقى على الضفة الأخرى.

ولذلك فإن الحل الأكثر استدامة ليس فقط منع إيران من إغلاق المضيق بالقوة، بل بناء معادلة تجعل إيران المستقبل، أيًا كان شكل السلطة فيها، صاحبة مصلحة في بقائه مفتوحًا.

الهدف ليس إذلال إيران ولا محوها من المعادلة.

الهدف هو إنهاء مفهوم:

«هرمز كسلاح».

فسيادة الدول تبقى، والجغرافيا تبقى، والمصالح تتغير.

أما قدرة طرف واحد على أخذ الاقتصاد العالمي رهينة، فيجب ألا تبقى.

الخاتمة: من يكتب اليوم التالي؟

هنا تكتمل السلسلة.

بدأنا بالقوة الأمريكية.

ثم انتقلنا إلى الجغرافيا والجزر.

ثم وصلنا إلى القيادة السعودية.

لكن القوة والجغرافيا والقيادة ليست غاية في ذاتها.

السؤال النهائي هو:

من سيحول كل ذلك إلى نظام يبقى عندما تصمت المدافع؟

إذا انتهت الحرب وعادت المعادلة القديمة، فسنكون قد شاهدنا جولة أخرى من صراع طويل.

أما إذا خرج من هذه الأزمة نظام يجعل تعطيل هرمز بالغ الصعوبة، ويجعل أمن الخليج يُصاغ بمشاركة دوله لا بالنيابة عنها، ويحول أمن الطاقة إلى مسؤولية دولية مشتركة، فسنكون أمام بداية مرحلة جديدة.

وهنا تكمن الفرصة السعودية.

ليس في خوض الحرب…

بل في كتابة اليوم التالي لها.

أمريكا قد تستطيع فتح هرمز بالقوة.

لكن هرمز ما بعد الحرب يحتاج إلى سياسة تجمع الخليج والعالم حول قاعدة واحدة:

هذا المضيق شريان عالمي… ولا ينبغي أن يصبح سلاحًا مرة أخرى.

وإذا استطاعت الرياض قيادة تحويل هذه القاعدة إلى نظام قابل للحياة، فسيكون معنى «هرمز… القيادة للسعودية» قد تجاوز عنوان مقال…

ليصبح واقعًا استراتيجيًا جديدًا في الخليج.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.