ثوران أناك كراكاتاو واضطراب الملاحة الجوية

ثوران أناك كراكاتاو واضطراب الملاحة الجوية
قراءة علمية في حدث إندونيسيا خلال 4–6 سبتمبر 2026
بقلم: عصام يحيى الفيلالي عضو هيئة تدريس سابق – كلية علوم الأرض، جامعة الملك عبدالعزيز
مقدمة
لا تكمن أهمية ثوران بركان أناك كراكاتاو في المشهد البصري المثير الذي تصنعه الأعمدة البركانية فحسب،
بل في أنه يوضح بصورة عملية كيف يمكن لحدث جيولوجي محلي أن يتحول، خلال ساعات، إلى مشكلة إقليمية في السلامة الجوية والصحة العامة وإدارة البنية التحتية.
فقد بدأ النشاط الثوراني في وقت متأخر من يوم 4 سبتمبر 2026، واستمر حتى الساعات الأولى من 6 سبتمبر، مع تسجيل ثورانات لاحقة في اليوم نفسه.
وأدى انتشار الرماد في المجال الجوي إلى تعليق عمليات أو تقييدها في عدد من المطارات، من بينها مطار سوكارنو–هاتا الدولي في جاكرتا، قبل أن يرتفع العدد المعلن للمطارات المتأثرة إلى ثمانية وفق تحديثات تشغيلية لاحقة.
وتكشف هذه الواقعة أن الرماد البركاني ليس «غباراً» بالمعنى الدارج للكلمة، بل خليط من شظايا زجاج بركاني ومعادن وصخور دقيقة، قد تتسم بالصلابة والحواف الحادة والقابلية للانصهار والالتصاق بأجزاء محرك الطائرة.
ولذلك فإن تعليق الرحلات أو إعادة توجيهها لا يمثل مبالغة إدارية، وإنما هو نتيجة لتقييم احتمالي لمخاطر قد تكون نادرة الوقوع لكنها عالية العواقب.
ورغبة في عدم اطالة هذه المقالة ، لعليّ اقدم مزيداً من التفصيل في ملحق لها في حسابي في منصة x
أولاً: الموقع الجيولوجي لأناك كراكاتاو
يقع مجمع كراكاتاو البركاني في مضيق سوندا بين جاوة وسومطرة، ضمن نطاق الاندساس الذي تنغرز فيه الصفيحة الهندية–الأسترالية تحت صفيحة سوندا في جنوب شرق آسيا. وتؤدي عمليات الاندساس إلى توليد صهارات غنية بالغازات وقابلة للصعود عبر القشرة، وهو ما يفسر النشاط الزلزالي والبركاني الكثيف في إندونيسيا ضمن ما يعرف اصطلاحاً بـ«حلقة النار» في المحيط الهادئ.
ثانياً: ماذا نعرف عن سحابة الرماد في حدث سبتمبر؟
أفادت التحديثات التشغيلية بأن الرماد انتشر إلى ارتفاعات مختلفة تبعاً للاتجاه والطبقة الجوية؛ فقد سجلت تقارير ارتفاعاً يقارب 50 ألف قدم، أي نحو 15 كيلومتراً، باتجاه الغرب، ونحو 20 ألف قدم، أي قرابة 6 كيلومترات، باتجاه الشرق. ولا ينبغي تفسير هذين الرقمين على أنهما «جداران ثابتان» من الرماد؛ فالسحابة تتشوه وتنتشر أفقياً ورأسياً بفعل سرعة الرياح واتجاهها والاستقرار الجوي وحجم الجزيئات ومعدل انبعاثها. والأرقام هنا تعكس حالة تشغيلية مؤرخة، وليست وصفاً ثابتاً لكل مراحل الثوران.
وبحسب التحديثات المتاحة، بلغ ارتفاع الرماد نحو 20 ألف قدم باتجاه الشرق ونحو 50 ألف قدم باتجاه الغرب، وهو ما يعني احتمال تداخل السحابة مع مستويات طيران مختلفة تبعاً للموقع والزمن.
كما ارتفع عدد المطارات المتأثرة في التحديثات اللاحقة إلى ثمانية مطارات، بعد أن كان ستة في مرحلة سابقة، ويُرجح أن تغير اتجاه الرياح أسهم في توسيع نطاق التأثير التشغيلي. وقد صدرت تنبيهات ملاحية من نوع NOTAM، مع تعليق أو تقييد بعض العمليات تطبيقاً لمبدأ تجنب مناطق الرماد عندما لا يكون مستوى اليقين كافياً.
ثالثاً: لماذا يمثل الرماد البركاني خطراً استثنائياً على الطائرات؟
تتكون الجسيمات البركانية الدقيقة من شظايا زجاجية ومعادن وصخور مسحوقة يقل حجم كثير منها عن بضعة مليمترات. وتختلف عن الغبار العادي في شكلها الحاد وتركيبها الكيميائي وقدرتها على الكشط والانصهار عند درجات حرارة تشغيل المحركات النفاثة. وقد بينت الدراسات أن درجات الحرارة داخل أجزاء المحركات قد تقع تقريباً بين 1,200 و2,000 درجة مئوية، وأن سلوك الرماد عند إعادة التسخين يتغير بحسب تركيبه الكيميائي؛ لذلك فإن تمثيله بالرمل أو الغبار قد يؤدي إلى التقليل من تقدير الخطر.
رابعاً: من الثوران إلى قرار تعليق الرحلات
تُدار مخاطر الرماد البركاني عبر سلسلة مترابطة تبدأ برصد النشاط البركاني والزلازل والغازات، ثم استخدام الأقمار الصناعية لتقدير موقع السحابة وارتفاعها، ثم إدخال هذه البيانات في نماذج انتشار جوية ثلاثية الأبعاد. وتستخدم الجهات المعنية منتجات تحذير متخصصة تصدرها مراكز استشارية للرماد البركاني، إلى جانب نشرات الطقس الخطرة وإشعارات الطيارين والجهات المشغلة.
خامساً: الآثار الصحية والبحرية والبيئية
يمكن للرماد القريب من سطح الأرض أن يسبب تهيج العينين والجهاز التنفسي، وأن يتطلب تقليل التعرض واستخدام وسائل الحماية المناسبة وفق تعليمات السلطات الصحية المحلية.
كما قد يؤدي تراكمه إلى تعطيل الطرق والمرافق وأعمال الصيانة، فضلاً عن التأثير في الأنشطة المدرسية والصيد البحري عندما تنخفض الرؤية أو تصبح الظروف الجوية والبحرية غير آمنة.
سادساً: المقارنة مع ثوران إيافيالايوكل عام 2010
استُخدم ثوران إيافيالايوكل في أيسلندا عام 2010 مثالاً عالمياً على قدرة الرماد البركاني على تعطيل شبكة طيران واسعة.
والأهم أن التجربتين تكشفان مبدأ واحداً: قد يكون الثوران البركاني متوسط الحجم نسبياً، لكن موقعه وارتفاع الرماد واتجاه الرياح وكثافة الحركة الجوية هي التي تحدد حجم الاضطراب الاقتصادي والتشغيلي.
وفي إندونيسيا، يزداد التعقيد بسبب كثافة السكان والطيران، وكثرة الجزر والممرات الجوية، ووجود براكين نشطة متعددة.
سابعاً: الدروس العلمية والعملية
الدرس الأول هو أن الرصد المستمر أهم من الاعتماد على الملاحظة البصرية.
فالسحابة قد تكون شفافة أو مختلطة بسحب جوية، وقد يتحرك الجزء الأخطر منها على ارتفاع لا يظهر بوضوح من سطح الأرض.
والدرس الثاني أن الزمن حاسم؛ إذ توضح سجلات حوادث الطيران أن معظم المواجهات الضارة وقعت قريباً زمنياً من بدء انبعاث الرماد أو على مسافات ليست بعيدة جداً عن البركان، حين تكون المعلومات الأولية ناقصة وتكون الحاجة إلى التحذير السريع أكبر.
والدرس الثالث هو أن القرار الجيد لا يحتاج إلى يقين مطلق.
ففي إدارة مخاطر الطيران، يكفي أحياناً أن يكون احتمال الضرر الجسيم غير مقبول حتى يُتخذ إجراء احترازي مؤقت، ثم يعاد تقييمه مع وصول بيانات الأقمار الصناعية والنماذج والرصد الأرضي.
أما الدرس الرابع فهو ضرورة توسيع مفهوم الاستعداد ليشمل الصحة العامة والمياه والطاقة والطرق والموانئ، لا الطيران وحده.
خاتمة
يمثل ثوران أناك كراكاتاو في سبتمبر 2026 تذكيراً واضحاً بأن الجيولوجيا لا تعمل داخل حدود إدارية أو جغرافية ضيقة. فقد بدأ الحدث في جزيرة بركانية ضمن مضيق سوندا، لكن الرماد انتقل مع الرياح إلى المجال الجوي والمطارات والمناطق السكنية، وفرض على سلطات الطيران أن تتعامل مع حالة متغيرة زمنياً ومكانياً.
والرماد البركاني ليس غباراً عابراً؛ إنه مادة دقيقة كاشطة وقابلة للانصهار قد تضر المحركات والمجسات والنوافذ والمدارج، وقد تجعل تجنب المجال الملوث أكثر أماناً من محاولة عبوره. ومن ثم فإن تعليق الرحلات أو تحويلها، عندما تدعمه بيانات الرصد والتحذيرات التشغيلية، يعد تطبيقاً لمبدأ السلامة القائم على الأدلة.
ولا يتمثل الهدف الواقعي في «السيطرة» على البركان، بل في تقليل التعرض لخطره عبر شبكة متكاملة من علم البراكين والأرصاد الجوية والاستشعار عن بعد ونمذجة انتشار الرماد وإدارة الحركة الجوية والتواصل الواضح مع المسافرين والسكان.
وفي هذا التكامل بين المعرفة العلمية والقرار المؤسسي تكمن أفضل وسيلة للتكيف مع واقع إندونيسيا، ومع واقع جميع المجتمعات التي تعيش قرب البراكين النشطة.
كاتب رأي
