كُتاب الرأي
لذة العطاء: متعة تسري في الروح وتبقى في الذاكرة

لذة العطاء: متعة تسري في الروح وتبقى في الذاكرة
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
في زمن طغت فيه المادية الجافة، واشتدت فيه الأثرة وحب الذات، وكاد الإيثار أن يزول في زحمة المصالح الشخصية، يبرز الحديث عن العطاء بوصفه ضرورة إنسانية ملحة، ومطلباً روحياً ونفسياً لا غنى عنه لاستقامة الحياة وهناءة النفوس.
فالعطاء ليس مجرد إجراء مادي عابر، ولا تفضلاً عرضياً من قوي على ضعيف؛ بل هو حالة وجدانية سامية، ومنحة إلهية ربانية يختص بها الله من يشاء من عباده. إنها أحاسيس فريدة تملأ الكيان، لا يستشعر كنهها ولا يدرك عمقها إلا من عاشها وذاق حلاوتها. إنها لذة تعلو على كل ملذات الدنيا ومباهجها الفانية؛ فلذة الأخذ والامتلاك تنقضي بانقضاء الانتفاع بالشيء، بينما تظل لذة العطاء حية متأججة في الذاكرة والوجدان مدى الحياة، تمتد آثارها لتنير عوالم الروح والآخرة.
- العطاء المادي: استثمار في البركة والخلود
يأتي العطاء المادي في صدارة صور البذل الملموسة، وقد حفل القرآن الكريم بآيات محكمات تحض عليه، وترفع من شأنه، وتبشر فاعله بأعظم العوائد وأجزل الجزاء. يقول الله عز وجل: “مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً”، ويقول في بيان أثر النفقة في سبيل الله: “مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ”.
وعندما نتأمل صفحات تاريخنا المشرق، نجد شواهد حية ونماذج عظيمة جسدت معاني العطاء المادي بأروع صور الاستدامة والخلود. في التاريخ الإسلامي، يبرز وقف “عين زبيدة” العظيم الذي أمرت بإنشائه السيدة زبيدة بنت جعفر في القرن الثاني الهجري لسقاية أهالي مكة المكرمة وحجاج بيت الله الحرام، فظل نهراً متدفقاً للخير والعطاء على مدى قرون طويلة، شاهداً على أن البذل لوجه الله لا يموت بموت صاحبه.
وفي عصرنا الحديث، تجسدت هذه القيم في مسيرة المملكة العربية السعودية عبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فبرزت أُسر كثيرة تمثل نموذجاً استثنائياً عالمياً في العطاء المادي واستدامة الخير، وكان على رأس القائمة ملوك وأمراء المملكة، الذين وضعوا أسس العمل الخيري المؤسسي في البلاد:
- الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – المؤسس – كان واضع النواة الأولى في عصرنا الحاضر عبر أوقاف ومبرات مخصصة لخدمة الحرمين الشريفين ورفادة الحجاج.
- الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود – ارتبط اسمه بمؤسسة الملك سعود الخيرية، التي تعمل على استدامة إرثه الاجتماعي والتنموي ورعاية المشاريع المجتمعية والصحية.
- الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود – أسس أبناؤه وبناته من بعده مؤسسة الملك فيصل الخيرية عام 1976م كأحد أضخم الكيانات الوقفية والخيرية عالمياً، تدعم المؤسسة التعليم والبحث العلمي وتمنح جائزة الملك فيصل العالمية.
- الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود – أُنشئت مؤسسة الملك خالد الخيرية عام 2001م، وتعد من رواد تمكين العمل غير الربحي وبناء القدرات وتنمية المجتمعات المحلية في المملكة.
- الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود – يمتد أثره الوقفي من خلال مؤسسة الملك فهد الخيرية التي تركز على بناء المساجد والمجمعات الإسلامية ودعم التعليم وطباعة المصحف الشريف.
- الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود – أسس مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للأعمال الإنسانية، التي تمتلك أوقافاً ضخمة لتمويل مشاريع الرعاية الصحية والتنمية المستدامة والإغاثة داخل المملكة وخارجها.
- خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – يُعد مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الذراع الإنساني للمملكة، وقد أُسس في مايو 2015م بتوجيه منه، وقدم مساعدات إنسانية وإغاثية لملايين المستفيدين في أكثر من 100 دولة حول العالم بالتعاون مع منظمات دولية وأممية.
- الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود – وُصف تاريخياً بـ”رجل الخير الأول”، حيث أسس مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز آل سعود الخيرية ومؤسسة الإسكان الخيري، وتدعم أوقافها الضخمة خدمات الرعاية الطبية التأهيلية والأطراف الصناعية والبحوث العلمية.
- الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود – أسس أبناؤه كياناً مأسساً باسم أوقاف الأمير طلال وذراعها مؤسسة طلال الخيرية، التي تركز على الاستثمار في الإنسان وتمكين المرأة ورعاية الطفولة المبكرة.
- الأمير الوليد بن طلال آل سعود – حوّل جزءاً كبيراً من ثروته وأصوله لخدمة العمل الإنساني عبر مؤسسة الوليد للإنسانية، التي تنفذ مشاريع إسكانية وتنموية وإغاثية واسعة النطاق.
- الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز آل سعود – أسس الصندوق الخيري ومركز مكة المكرمة لرعاية الأطفال ذوي الإعاقة.
ومن الأميرات المحسنات ومؤسساتهن:
- الأميرة العنود بنت عبدالعزيز بن مساعد الوجعان – حرم الملك فهد – تميزت بتأسيس مؤسسة الأميرة العنود الخيرية، التي تُعد نموذجاً وقفياً يحتذى به في التمكين والاستدامة، وتدعم مشاريع رعاية الأيتام وحفر الآبار وتطوير القطاع الثالث.
- الأميرة سارة الفيصل والأميرة لطيفة الفيصل – بنتا الملك فيصل، لهما أدوار ريادية تاريخية في تأسيس وإدارة الكيانات الخيرية والنسائية، مثل جمعية النهضة النسائية الخيرية لتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً.
- الأميرة حصة بنت أحمد السديري – والدة الملك سلمان والأمراء السديريين – لها إسهامات تاريخية وأوقاف مبرات خيرية ممتدة تُعنى بأعمال البر وطباعة المصاحف وكتب العلم.
- الأميرة ريما بنت طلال بن عبدالعزيز – تتولى رئاسة مجلس أمناء مؤسسة الأمير طلال الخيرية وتُشرف على إدارة وتوجيه المبادرات التنموية للكيان الوقفي.
أما الأسر التي خصصت جزءاً كبيراً من أصولها الثابتة والمنقولة لأعمال الخير المؤسسي، فهي كثيرة في جميع مناطق المملكة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- أسرة الراجحي وعلى رأسهم الشيخ سليمان الراجحي،
- وأسرة الجميح وعلى رأسهم الشيخ عبدالعزيز الجميح،
- وأسرة السبيعي وعلى رأسهم الشيخ محمد بن إبراهيم السبيعي،
- وأسرة بن محفوظ وعلى رأسهم الشيخ سالم بن محفوظ،
- وأسرة الشربتلي وعلى رأسهم السيد حسن شربتلي، وغيرهم كثير، عاكسين مفهوماً راقياً لرجال الأعمال الذين يجعلون من مالهم خادماً لمجتمعهم ووطنهم، وامتداداً لأجر لا ينقطع حتى بعد رحيلهم.
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال :
«إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
- العطاء الفكري: نور يضيء دروب الأجيال
وإذا كان العطاء المادي يروي الأجساد، فإن العطاء الفكري والمعرفي يخاطب جوهر الإنسان، وينقذ العقول من ظلمات الجهل والضياع. وهو أن يبذل العالم والمفكر والمعلم علمه، وينشر معرفته، ويشارك الآخرين حكمته وخبرته، وهو من أسمى صور العطاء لكون أثره ممتداً في عقول وقلوب الأجيال المتعاقبة.
يقول الله تعالى: “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا”.
والحكمة هي الفهم العميق والعلم النافع المقترن بالعمل الصالح. وقد جعل النبي ﷺ العلم النافع قريناً للصدقة الجارية.
وفي تاريخنا الثقافي والعلمي، نرى كيف سطر العلماء والمفكرون ملاحم في البذل الفكري؛ عبر تأليف الكتب، وتأسيس الجامعات، ورعاية المبدعين، ونشر العلوم الشرعية والكونية. فكل كلمة حق، وكل علم نافع يُبث للأجيال، يترك بصمة لا تمحى في مسيرة الإنسانية، ويغمر صاحبه بلذة الخلود المعنوي والأثر الباقي الذي لا يتقادم بمرور الزمن.
- العطاء في السلوك والكلمة الطيبة
ولا ينحصر العطاء في إطار المال أو العلم، بل يمتد ليشمل كافة مناحي السلوك البشري الراقي، وكل فعل جميل وكل كلمة حسنة صادقة.
فقد وسّع النبي ﷺ مفهوم الصدقة ليشمل أفعالاً يومية دقيقة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عظيمة التأثير، كما في قوله ﷺ: “كل سُلَامَى من الناس عليه صدقة… تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة”.
هذا الحديث يفتح آفاقاً رحبة أمام كل إنسان ليكون معطاءً كريماً بغض النظر عن ظروفه المادية؛ فالكلمة الطيبة تجبر الكسر، والابتسامة المشرقة تزرع المودة، وإماطة الأذى عن طريق الناس صدقة كبرى. إن هذا العطاء المعنوي والسلوكي يمتلك أثراً بالغاً في تماسك المجتمع وتطهير القلوب من أدران الشحناء والبغضاء، ويمنح المعطي سكينة داخلية ورضاً نفسياً عميقاً.
- العطاء في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه:
إن أصدق تجسيد عملي للذة العطاء نلمحه في سيرة سيدنا محمد ﷺ وأصحابه الكرام. فقد كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، يضرب أعظم الأمثلة في البذل الذي لا يخشى فاقة. وكذلك كان أصحابه الكرام؛ فأبو بكر الصديق أنفق ماله كله في سبيل الله، وعثمان بن عفان جهّز جيش العسرة بمال عظيم، وعمر بن الخطاب تسابق في الخيرات. وامتداداً لهذه الروح العالية، سار أبناء هذه الأمة ورجالها المخلصون على النهج؛ فكانت سيرتهم العطرة مليئة بمواقف الإيثار، وخدمة المجتمع، وإغاثة الملهوف، وإرساء دعائم التكافل الذي يملأ الوجدان غبطة وسروراً.
- العطاء وصحة النفس: رؤية علمية معاصرة
من بديع التوافق بين التشريع الإسلامي والحقائق العلمية المعاصرة، أن الدراسات النفسية الحديثة أثبتت أن العطاء يعود بالنفع الصحي والنفسي على المعطي نفسه. فممارسة الأفعال الخيرية والإنفاق التطوعي تساهم في تحفيز الدماغ وإفراز مجموعة من الهرمونات المسؤولة عن السعادة والرضا، مثل هرمون “الإندورفين” الذي يخفف الألم ويحسن المزاج، وهرمون “الدوبامين” المرتبط بمسارات المكافأة والإنجاز، وهرمون “الأوكسيتوسين” الذي يعزز الترابط الاجتماعي ويقلل التوتر.
كما أكدت الأبحاث أن الأشخاص الذين ينخرطون بانتظام في أعمال التطوع يتمتعون بصحة نفسية أفضل ومعدلات أقل من الاكتئاب. وهذا يقطع بأن العطاء ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو حاجة فطرية جبل الله عليها النفوس لتحقيق السعادة الحقيقية.
إن العطاء – بكل أشكاله ومستوياته المادية والفكرية والسلوكية – يظل هو المفتاح الحقيقي للسعادة في الدارين. إنه الشمعة التي تحترق لتضيء دروب الآخرين، وفي الوقت نفسه تنير قلب صاحبها وتملؤه دفئاً وبهاءً. فمن أعطى وبذل، حظي بلذة روحية لا تقارن بمتع المادة الزائلة.
وصدق من قال: “الأخذ أسهل من العطاء، والعطاء أنبل من الأخذ،
لذة الأخذ تدوم يوماً، ولذة العطاء تدوم مدى الحياة”.
فلنجعل العطاء منهج حياة دائم، ولنتذكر دائماً قول الله تعالى: “وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”.
