كُتاب الرأي
كبار السن: من رعاية الاحتياج إلى استثمار الخبرة

كبار السن: من رعاية الاحتياج إلى استثمار الخبرة
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
لم تعد قضية كبار السن شأناً اجتماعياً محدوداً أو ملفاً صحياً منفصلاً، بل أصبحت من القضايا الاستراتيجية التي تتصل ببنية المجتمع والاقتصاد وجودة الحياة وتماسك الأجيال.
فارتفاع متوسط العمر المتوقع، وتراجع معدلات الوفيات، وتحسن الرعاية الطبية، كلها تحولات إيجابية؛
غير أن قيمتها الحقيقية لا تقاس بعدد السنوات المضافة إلى حياة الإنسان فحسب، وإنما بقدر ما تتيحه تلك السنوات من صحة واستقلال وكرامة ومشاركة.
ومن هنا فإن السؤال الأدق ليس: كيف نرعى كبار السن؟
بل كيف نهيئ لهم الظروف التي تمكنهم من مواصلة العطاء، مع ضمان الرعاية لمن يحتاج إليها؟
فالكبر ليس حالة واحدة، ولا يعني بالضرورة العجز أو الانسحاب من الحياة العامة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التقدم في السن يتسم بتنوع واسع؛ فقد يتمتع بعض الأشخاص في الثمانين بقدرات بدنية وعقلية مرتفعة، في حين يحتاج آخرون إلى دعم مكثف في أعمار أصغر.
لذلك ينبغي أن تنتقل السياسات من التصنيف العمري الجامد إلى تقدير القدرة الوظيفية والاحتياجات الفردية والبيئة المحيطة.
تبدأ الاستفادة من كبار السن بتصحيح اللغة التي نتحدث بها عنهم.
فالتعبير عنهم باعتبارهم «عالة» قد يصف بعض حالات الاعتماد الاقتصادي أو الصحي، لكنه لا يصلح وصفاً عاماً لفئة واسعة ومتنوعة.
كما أن اختزال قيمة الإنسان في قدرته على العمل المأجور يتجاهل أدواراً أخرى لا تقل أهمية، مثل
- نقل المعرفة،
- وحفظ الذاكرة الاجتماعية،
- والإسهام في العمل التطوعي،
- وتقديم المشورة،
- وتعزيز التماسك الأسري.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من الصور النمطية السلبية المرتبطة بالعمر؛ لأنها قد تنتج تمييزاً في فرص العمل والخدمات والمشاركة، وتؤثر في تصميم السياسات نفسها. وفي المقابل، ينظر مفهوم الشيخوخة الصحية إلى الإنسان من خلال قدرته على أن يعيش ويفعل ما يراه ذا قيمة، لا من خلال خلوه التام من المرض. فالقدرة الوظيفية تشمل تلبية الاحتياجات الأساسية، والتعلم واتخاذ القرار، والحركة، وبناء العلاقات، والإسهام في المجتمع.
وعليه، فإن الغاية ليست إجبار كل كبير سن على العمل،
ولا تحويل التقاعد إلى تمديد قسري للحياة المهنية؛
بل إتاحة خيارات مرنة ومحترمة لمن يرغب
ويستطيع، مع حماية حق من يحتاج إلى الراحة أو الرعاية. التمكين لا يعني الإلزام،
والرعاية لا ينبغي أن تعني الإقصاء.
من طول العمر إلى جودة السنين
تضع الشيخوخة السكانية أمام الدول تحدياً مركباً: كيف يمكن تحويل الزيادة في العمر المتوقع إلى زيادة في العمر الصحي؟ وتعرّف منظمة الصحة العالمية العمر الصحي بأنه عدد السنوات التي يمكن أن يتوقع الإنسان أن يعيشها وهو في صحة كاملة، بينما يركّز إطار الشيخوخة الصحية على الحفاظ على القدرة الوظيفية التي تمكّن الإنسان من الرفاه في مراحل العمر المتقدمة.2 3
وتوضح بيانات منظمة الصحة العالمية الخاصة بالمملكة وجود مؤشرات منفصلة للعمر المتوقع والعمر الصحي المتوقع، بما يؤكد أهمية عدم الاكتفاء بمؤشر واحد عند تقييم نجاح السياسات الصحية.4 فالفجوة بين العمر الكلي والعمر الذي يعيشه الإنسان متمتعاً بقدر كافٍ من الاستقلال قد تنشأ من الأمراض المزمنة، أو ضعف الحركة، أو العزلة الاجتماعية، أو صعوبة الوصول إلى الخدمات، أو عدم ملاءمة السكن والنقل والبيئة الحضرية.
وتتطلب الوقاية نهجاً ممتداً عبر دورة الحياة، يبدأ بالتغذية والنشاط البدني والصحة النفسية والفحوص الدورية، ولا ينتظر وصول الفرد إلى سن متقدمة. كما ينبغي أن تتكامل الرعاية الطبية مع العلاج الطبيعي والتأهيل والدعم النفسي والخدمات الاجتماعية والرعاية المنزلية؛ لأن كثيراً من مشكلات الشيخوخة لا تعالج بزيارة طبية منفردة.
إن النجاح في هذا المجال لا يقاس فقط بعدد المراكز أو المستفيدين، بل بمؤشرات أكثر دلالة، مثل
- قدرة كبير السن على الحركة والاستقلال،
- واستمراره في العلاقات الاجتماعية،
- وتحسن شعوره بالأمان والانتماء،
- وانخفاض تعرضه للعزلة أو الإهمال،
- وتوافر الرعاية المناسبة له في الوقت المناسب.
وقد خطت المملكة خطوة مهمة بإصدار نظام حقوق كبير السن ورعايته بموجب المرسوم الملكي رقم (م/47) وتاريخ 3/6/1443هـ، وقد عرّف النظام لكبير السن بأنه المواطن الذي بلغ ستين سنة فأكثر، وأكد حقوقه المالية والجسدية والاجتماعية والمعنوية.
ولا تقتصر أهمية النظام على تنظيم الرعاية، بل تمتد إلى الاعتراف بكبير السن بوصفه صاحب حق وكرامة ومصلحة مستقلة.
ومن أبرز ما يلفت النظر في النظام أنه يحمّل الجهات ذات العلاقة مسؤوليات تتجاوز الإيواء والعلاج، فتشمل :
- تنظيم برامج تعزز مهارات كبار السن وخبراتهم
- وممارسة هواياتهم واندماجهم،
- وتشجيع القادرين منهم على العمل،
- ودعم النشاطات التطوعية،
- وتأهيل المرافق والأحياء لتلائم احتياجاتهم،
- وحث القطاع الخاص والجهات الأهلية على إنشاء المراكز والأندية الاجتماعية.
وهذا يتيح أساساً نظامياً للانتقال من :
نموذج «الرعاية عند العجز»
إلى نموذج أوسع يجمع بين الحماية والتمكين والمشاركة.
كما عرضت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في عام 2025 توجهها نحو نموذج أكثر شمولاً يقوم على
- التمكين والحوكمة والشراكات
- وتنويع قنوات تقديم الخدمة، مع تطوير خدمات رقمية ومراكز أهلية
- ومبادرات بمشاركة القطاع الخاص.
وتبقى الأولوية في المرحلة المقبلة هي تحويل هذه المبادئ والبرامج إلى مؤشرات أثر واضحة تقيس مقدار التحسن في الاستقلالية والمشاركة، لا عدد المبادرات أو المستفيدين فقط.
مجالات عملية للاستفادة من كبار السن
يمتلك كثير من المتقاعدين رصيداً تراكمياً في الإدارة والتعليم والهندسة والطب والقانون والحرف والأعمال. ويمكن إنشاء منصة وطنية للخبرات المتقدمة تربط الجهات الحكومية والجامعات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة بالخبراء الراغبين في تقديم الاستشارات أو التدريب أو التحكيم أو الإشراف الجزئي.
وينبغي أن تكون
المشاركة بعقود مرنة تحفظ الحقوق، وتراعي القدرة الصحية، وتمنع التمييز العمري.
وفي الجامعات ومراكز البحث، يمكن تفعيل صيغ مثل
- الأستاذ الزائر،
- والاستاذ الفخري
- والمشرف المشارك،
- والمستشار البحثي،
- وحاضنات نقل المعرفة بين الأجيال.
ولا ينبغي أن تحل هذه الصيغ محل فرص الشباب، بل أن تبني شراكة بينهم وبين ذوي الخبرة؛
فالأول يملك أدوات رقمية وحيوية جديدة،
والثاني يملك سياقاً تاريخياً وحكماً مهنياً تراكمياً.
ويُعد الإرشاد بين الأجيال من أكثر المجالات قابلية للتطبيق. فكل مؤسسة يمكنها إنشاء برنامج يربط الموظفين الجدد بالخبراء المتقاعدين في موضوعات مثل
- إدارة المخاطر،
- وأخلاقيات المهنة،
- وحل المشكلات،
- والتفاوض،
- والاتصال المؤسسي.
ويمكن أن يكون التعلم متبادلاً، بحيث يتعلم كبير السن من الشباب التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي،
بينما ينقل إليهم الخبرة العملية والقدرة على قراءة المواقف المعقدة.
ولا ينبغي أن يُقاس التطوع بعدد الساعات فقط، بل بمدى ملاءمة النشاط لقدرات الشخص واهتماماته.
فبإمكان كبار السن
- المشاركة في تعليم القراءة،
- ومساندة الطلاب،
- والإرشاد الأسري،
- وحفظ الحرف التقليدية،
- وتوثيق التاريخ الشفهي،
- ودعم الجمعيات،
- وخدمة الزوار،
- والوساطة المجتمعية.
ويمكن للمنصات الرقمية أن تربط هذه الطاقات باحتياجات المدارس والبلديات والجمعيات،
مع توفير التدريب والتأمين والانتقال عند الحاجة.
تمثل «جامعة العمر الثالث» أو مراكز التعلم مدى الحياة فكرة جديرة بالتجريب، شريطة ألا تُصمم باعتبارها عزلاً لكبار السن في مؤسسات منفصلة، بل فضاءً للتعلم المشترك بين الأعمار. وتشمل
- البرامج الصحة الرقمية،
- واللغات،
- والتاريخ المحلي،
- والمهارات المالية،
- والفنون، والرياضة،
- وريادة الأعمال الاجتماعية.
فالتعلم لا يحسن المعرفة فحسب، بل يعيد بناء الروابط الاجتماعية ويمنح الإنسان أدواراً ومعاني جديدة.
كما يمكن إتاحة
العمل الجزئي،
والعمل عن بعد،
والمشروعات الصغيرة،
والاستشارات المؤقتة لمن يرغب ويستطيع، مع مراجعة أي عوائق تنظيمية أو تقنية تحول دون ذلك.
ويمكن للقطاع الخاص أن يستفيد من الخبرات المتقدمة في التدريب وضمان الجودة وخدمة العملاء،
لا أن يحصر دوره في التبرعات والمسؤولية الاجتماعية التقليدية.
ويجب في كل الأحوال حماية كبار السن من الاستغلال المالي أو التمييز أو ظروف العمل غير الملائمة.
جدير بالذكر انه لا تكفي الرغبة الفردية في المشاركة إذا كانت المدينة نفسها تحول دونها.
ويحدد إطار منظمة الصحة العالمية للمدن والمجتمعات الصديقة لكبار السن ثمانية مجالات مترابطة، تشمل المساحات الخارجية والمباني،
- والنقل،
- والسكن،
- والمشاركة الاجتماعية،
- والاحترام والاندماج الاجتماعي،
- والمشاركة المدنية والعمل،
- والاتصال والمعلومات،
- ودعم المجتمع
- والخدمات الصحية.
وتشمل الأولويات العملية
- توفير أرصفة ومسارات مشي آمنة،
- ومواصلات عامة ميسرة،
- ومقاعد ومظلات،
- وإشارات واضحة،
- ومساكن قابلة للتكيف،
- ومراكز نهارية تقدم أنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية.
كما ينبغي إشراك كبار السن أنفسهم في تصميم هذه الخدمات وتقييمها، لأن المؤشرات الهندسية لا تكشف دائماً عن صعوبات الاستخدام اليومية.
وتكتسب الشمولية الرقمية أهمية خاصة؛
فالتوسع في التطبيقات والخدمات الإلكترونية ينبغي ألا يحول دون حق من لا يجيد استخدامها في الحصول على الخدمة.
لذلك يجب توفير واجهات مبسطة، ومساعدة بشرية، وتدريب رقمي، وقنوات بديلة تحفظ الخصوصية والكرامة.
ولتحويل الفكرة إلى سياسة قابلة للقياس، يمكن اعتماد برنامج وطني متعدد القطاعات تحت عنوان «خبرة مستمرة وحياة كريمة»،
يقوم على أربعة مسارات متكاملة:
- الصحة الوقائية
- والقدرة الوظيفية،
- والمشاركة الاقتصادية والمعرفية،
- والتطوع والتعلم مدى الحياة، والمدن والخدمات الصديقة لكبار السن.
تبدأ المرحلة الأولى بإجراء مسح وطني للمهارات والخبرات والاحتياجات، مع إشراك كبار السن أنفسهم في تصميم البرامج.
ومن المهم أن تتضمن قاعدة البيانات معلومات عن الخبرات المهنية والهوايات والقدرات والرغبات،
لا أن تقتصر على العمر والحالة الصحية.
ويمكن بعد ذلك إطلاق مشروعات تجريبية في عدد من الجامعات والبلديات والجمعيات،
ثم تقييمها قبل التوسع فيها.
وفي المرحلة المتوسطة، ينبغي توسيع برامج العمل الجزئي والإرشاد والتطوع والرعاية المنزلية المتكاملة،
وقياس نتائجها من خلال ساعات المشاركة،
ومؤشرات الاستقلالية، ومستويات الرضا، وانخفاض العزلة الاجتماعية.
كما ينبغي تطبيق معايير المدن الصديقة لكبار السن في الأحياء الجديدة والقائمة، بحيث تصبح سهولة الوصول وسلامة التنقل جزءاً من التخطيط الحضري لا معالجة لاحقة.
أما في المرحلة الطويلة، فينبغي ربط التمويل العام والخاص بنتائج قابلة للتحقق، مثل :
- تحسن القدرة الوظيفية وجودة الحياة،
- وتراجع حالات العزلة والإدخال غير الضروري إلى مرافق الرعاية،
- وارتفاع نسبة كبار السن المشاركين في أنشطة اجتماعية أو تعليمية أو اقتصادية مناسبة.
فالمبادرات لا تكتسب قيمتها من كثرتها، بل من أثرها المستدام في حياة الناس.
ويتطلب التنفيذ حوكمة واضحة تحدد مسؤوليات وزارة الصحة، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والجامعات، والبلديات، ومجلس شؤون الأسرة، والقطاع غير الربحي والخاص.
كما يتطلب حماية البيانات، وقياس الفروق بين المناطق والفئات الاجتماعية، وإتاحة قنوات للتظلم والمساءلة.
ومن المهم أن تشمل التقييمات مؤشرات نوعية، مثل شعور كبير السن بالاستقلال والانتماء، إلى جانب المؤشرات الكمية.
وفي الختام يجدر التذكير بأن كبار السن ليسوا كتلة متجانسة، ولا ينبغي أن تختزل علاقتهم بالمجتمع في الرعاية أو الإعانة.
- فمنهم من يحتاج إلى علاج وتأهيل ورعاية طويلة الأجل، ومنهم من يستطيع مواصلة التعلم والعمل والتطوع والإرشاد،
- ومنهم من يجمع بين الحاجة إلى الدعم والرغبة في العطاء. والسياسة الرشيدة هي التي تتيح لكل فئة ما يناسبها، وتحفظ للجميع حقهم في الكرامة والاختيار والمشاركة.
وحين تُبنى المدن والخدمات والمؤسسات على هذا الفهم، يصبح كبار السن شركاء في التنمية لا موضوعاً للرعاية فقط، وتتحول الخبرة المتراكمة إلى مورد وطني،
كما تتحول الشيخوخة من تحدٍّ ديموغرافي إلى فرصة لبناء مجتمع أكثر تكافلاً وإنصافاً واحتفاءً بكل مراحله العمرية.
والله من وراء القصد
