قبل الوداع

قبل الوداع
في زحمة الحياة وغمرة الأيام، ننسى في كثير من الأحيان حقيقة موجعة: إنما نحنُ عابرون! نركضُ خلف تفاصيل الغد، ونستغرقُ في الخصام، ونُطيل الوقوف عند زلات الأحبة، وكأننا سنخلد في هذه الأرض، متناسين أن “العُمَرَ لَحظَة”!
قد تكون هذه اللحظة نفساً صاعداً لا يعود إلى مخرجه، أو ساعةً تنجلي، أو سنةً تمضي، أو سنينَ معدودات، ولكن الحقيقة الثابتة التي تسقط أمامها كل المظالم والأحقاد هي أن النهاية واحدة، وأن قبراً سيضمنا في المطاف الأخير.
فما بالُنا ندع الدنيا تُنسينا رحيلنا المحتوم؟ وما بال قلوبنا تقسو حتى نسكُب المرار في كؤوس من نُحب ونُعاشر؟ هل يرضى أحدُنا أن تكون آخرُ ذكرى يتركها خلفه خصاماً، أو جرحاً غائراً في قلب إنسان، أو قسوةً تُخلّد اسمه بعد الرحيل؟
إن أقسى ما يواجهه المرء هو الندم حين لا ينفع الندم؛ حين نقف أمام أطباق التراب نتمنى لو أردفنا كلمة طيبة، أو ألقينا سلاماً دافئاً، أو تجرّعنا غصّة الخلاف لننقذ ما تبقى من الودّ.
إن ما نملكه اليوم بين أيدينا من وجوهٍ نألفها، وأصواتٍ نأنس بها، وأرواحٍ نتكئ عليها، قد لا نملكه غداً، فالحياة تُباغتنا دائماً بلا استئذان.
قبل الوداع.. دعونا نهمس لأرواحنا في كل صباح: العمر أقصر بكثير من أن نقضيه في الأذى والقطيعة.. سامحوا، وتغاضوا، وازرعوا الورود في دروب من تحبون قبل أن تحول بينكم وبينهم ساعات الفراق، واجعلوا الأثر الجميل هو كل ما يتبقى منكم بعد الرحيل.
د. دخيل الله عيضه الحارثي

