إكسير الخلود اللغوي

إكسير الخلود اللغوي
بقلم: د. دخيل الله عيضه الحارثي
روضة البيان التي لا تذبل رياضها، والمعين الذي لا ينضب حوضه، هي البلاغة التي استوت على جودي الإعجاز القرآني، فصاغت من الحرف نطقًا يتحدى، ومن المعنى سلطانًا يأسر العقول والقلوب. فالبلاغة ليست ترفًا لفظيًا، ولا زخرفة قولية يرتادها المتربصون بالقوافي، وإنما هي الكيمياء الكبرى التي تحيل تراب الكلام إلى تبر خالص، وتكشف عن عورات الارتجال، لتجلس على عرش الفصاحة الأبدية.
إن القرآن العظيم، حين تنزّل ببيانه المعجز، حطم أصنام البلاغة الجاهلية، وأقام على أطلالها محرابًا لا يُطاول. لقد أخرس البلغاء والفصحاء، ليس لأنه جاء بلغة غريبة فحسب، وإنما لأنه سكب معاني الوجود الكبرى في قوالب من البيان، لو مُزجت بمياه البحار لجعلتها سائغة عذبة.
فهذه آية تقرع القلوب، وتلك قصة تهز الوجدان، وحِكَم تتدفق كالمعين البارد، كلها صيغت بنظم معجز يتهاوى دونه سحر الساحر وكيد الكائد. فمن ذا الذي يستطيع أن يضاهي قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، التي تجلّى فيها من الإيجاز والبلاغة ما عجزت عنه مطولات القوانين؟ أو قوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)، الذي صوّر زحف الزمان على الجسد بصورة حية تنبض بالحركة والنار والوهن معًا؟ إن القرآن لم يكن نافذة بيان فحسب، وإنما كان منبع البيان المُعجز الذي تنحني دونه هامات الفصاحة، ليُعلّم البشر كيف تخرج الكلمات من مشكاة النظم المعجز، فتستقر في سويداء الأفئدة.
وحين نعرج من محراب التنزيل إلى ديوان البشر، إلى روائع الشعر ونثر البلغاء، تتكشف البلاغة عن ريشة فنان يغوص في أغوار النفس البشرية. فالشعر الحق ليس مجرد تفعيلات وأوزان ورصف رويّ، وإنما هو زئير الروح حين تضيق بها الأبدان. فالمتنبي حين يحمل سيفه وحكمته ليصول في ملكوت المعاني، والشريف الرضي حين يسكب لوعته في دموع الحروف، والجاحظ حين يقلب وجوه الكلام فيطوع النثر طواعية، إنما يفعلون ذلك لأنهم أدركوا سر الكلمة. فالكلمة طلقة حية، إن لم تصب الهدف دمرت شاعريتها، والبيان حصن، إن لم يُبنَ على قواعد التشبيه والمجاز تهاوى على رؤوس أصحابه. والبلاغة هنا هي التي تمنح النص إكسير الخلود؛ فالأجساد تفنى والقراطيس تبلى، لكن استعارة صادقة أو جناسًا محكمًا يظل يحرق عصور الظلام بنوره، كأنه شعلة لا تنطفئ.
إن أمة تنسى بلاغتها هي أمة تفقد هويتها، وتفرط في أثمن ما تملك: ذاكرتها اللغوية. إن محاولة تدجين اللغة وتسطيحها وعزلها عن ينابيعها البليغة هي اغتيال لروح الأمة ببطء. والبلاغة اليوم ليست ترفًا أكاديميًا يحفظه الطلاب في المتون، وإنما هي درع الحماية الأخير ضد رداءة الخطاب وتيه الفكر.
إن طرق أسوار البيان ليس ركوبًا لصعاب وهمية، وإنما هو استعادة للمقام الإنساني الأرفع، وفيه يلتقي حسن الدلالة بجمال العبارة. ومن لم يرتدْ هذه الروضة، ولم يشرب من هذا النمير، فسيظل يلوك حجارة الكلام الأجوف، بعيدًا عن جنات المعاني، عاريًا من سلاح البيان الذي يزلزل القلوب، ويسحر الألباب، ويفتح مغاليق العقول.
كاتب رأي
