عبودية نوقع عقودها بمحض إرادتنا

عبودية نوقع عقودها بمحض إرادتنا
لا تقيد الأغلال الأجساد في عصرنا، بل تحاصر الخوارزميات العقول.. لقد تحول الانتباه البشري من ملكية شخصية مكرمة إلى السلعة الأكثر رواجاً وتداولاً في أسواق الرأسمالية الرقمية.
نحن لسنا مستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي، بل نحن العبيد والسلعة في آنٍ واحد؛ نشتري تذاكر سجننا الاختياري بأموالنا، ونوقع عقود استعبادنا الإرادي بمجرد النقر على زر “موافق” على شروط الاستخدام الطويلة التي لا يقرؤها أحد.
في هذا الاقتصاد الجديد، لا يُطلب منك التنازل عن حريتك بالقوة، بل يُطلب منك التنازل عنها بالتراضي مقابل جرعات متسارعة من الدوبامين الرخيص.
كل إشعار، وكل ومضة حمراء على الشاشة، وكل مقطع قصير لا يتجاوز ثوانٍ معدودة، هو مسمار جديد في نعش التركيز الإنساني العميق.
لقد استبدلت الرأسمالية الصناعية القديمة مصانع الحديد بمصانع الانتباه، وأصبح رأس المال الأثمن ليس النفط ولا البيانات، بل قدرتك على الاصطفاف في طوابير طويلة أمام شاشة هاتفك، متنازلاً عن فضيلة الصمت والتأمل والتفكير النقدي.
إنها عبودية ناعمة؛ لا تصاحبها سياط ولا قيود حديدية، بل تصاحبها ألوان مبهجة، وواجهات مستخدم مصممة بدقة عالية لسرقة أثمن ما يملكه الإنسان: وقته وعمره وقدرته على الإبحار في أعماق المعنى.
هذه العبودية ليست عملاً بريئاً، بل هي هندسة ممنهجة لإنتاج كائن هش، يسهل توجيهه وبيع الأوهام له، فعندما تُسلب الإرادة، يُسلب معها التراكم المعرفي والتاريخي الذي تحيا به الأمم والأفراد؛ فلا عجب أن يتحول الإنسان إلى أسيرٍ بلا هوية، تتشكل قناعاته وتتلاشى خلال ثوانٍ معدودة بناءً على ما يمليه ( الترند ) السائد اليوم.
فالجيل المعاصر هو اليتيم الأكبر للزمن: يتيم ماضٍ لا يعرفه، ومستقبلٍ يخشى تخيله، وأسير يعيش في فقاعة من اللحظات المتشابهة التي لا تترك أثراً سوى شعور عميق بالغربة والعبث.
د. دخيل الله عيضه الحارثي

بين واجهة المعاصرة ويتم الزمن حقيقة لا يدركها جيل فقط يعيش تفاصيل يومه مع الهواتف الذكية وقهوة يتجاوز ثمن كوبها ١٧ ريالاً… جيل يتيم الخط والاملاء والقراءة … رهين الحداثة وأسير اللحظة ..
سلم مدادك الممزوج بحقيقة أمر من كوب قهوة باهظ الثمن …