كُتاب الرأي

ثم تمضي بنا الحكاية شمالًا…

ثم تمضي بنا الحكاية شمالًا…

بدر بن سالم

إلى حيث تتغير ملامح الأرض مرة أخرى، وتبدأ نجد في سرد فصلٍ جديد من حكايتها؛ فصلٌ لا يشبه ما قبله، لكنه يحمل الروح نفسها…
روح الكرم.
فهنا، كل طريقٍ يقودك إلى قرية، وكل قريةٍ تفتح لك بابًا، وكل بابٍ خلفه مجلسٌ وقهوة، ورجلٌ يقول لك:
حي الله من جانا.
سدير…
ذلك الإقليم الذي ارتبط في ذاكرة نجد بالنخيل والماء والقرى القديمة، وبحياةٍ نشأت حول الواحات والروضات والشعاب.
في سدير، تشعر أن الأرض تعرف أهلها، وأن النخلة ليست شجرة فحسب؛ إنها جزء من حياة الناس، من طعامهم، ومن تجارتهم، ومن مجالسهم، ومن ذاكرتهم.
وأنا حين أذكر سدير، لا أذكر مكانًا مررت به فقط…
بل أذكر جلاجل.
تلك المدينة التي عشت فيها طفلًا، وتركت في ذاكرتي شيئًا لا يمكن أن تمحوه السنوات.
هناك كانت بدايات الدراسة، وهناك تعلمت الكثير، وهناك تشكلت بعض ملامح طفولتي، حتى لهجتها بقيت عالقة في حنجرتي، تحمل شيئًا من أهلها، من بساطتهم، ومن قربهم، ومن تلك الأخوة التي لا تنساها الذاكرة مهما ابتعدت بنا الأيام.
جلاجل بالنسبة لي ليست اسمًا على خارطة…
إنها طفولة.
مدرسة، ورفاق، ووجوه، وأيامٌ ما زالت تسكن في زاوية بعيدة من القلب.
وأهلها…
أهل كرمٍ وأخوة، لا تشعر وأنت بينهم أنك غريب، حتى لو جئت من الرياض، وحتى لو كانت المسافة بينكما سنوات طويلة.
ثم تمضي في سدير…
إلى روضة سدير، وحوطة سدير، فتجد بقايا العمران القديم، والبيوت الطينية، والمساجد والأسواق، وتجد في تفاصيل المكان حكاية الإنسان النجدي الذي عرف كيف يصنع الحياة من أرضٍ قاسية، وكيف يحول الماء القليل إلى واحة، والواحة إلى قرية، والقرية إلى وطن.
ثم تأتي المجمعة…
مدينةٌ لها في الذاكرة حضورها الخاص، وفيها من الحكايات ما لا ترويه الكتب وحدها.
وفي شعيب أشيقر، كما في كثير من أماكن نجد، ارتبط المكان بالذكريات، وبحالاتٍ من العشق لا تنسى، وبمنازل ووجوه وأيامٍ تبقى في القلب حتى بعد أن تتغير الطرق وتبتعد المسافات.
فبعض الأماكن لا نحبها لأنها أجمل من غيرها…
بل لأننا عشنا فيها شيئًا من أعمارنا.
ولذلك تبقى بعض المنازل في الذاكرة أجمل من القصور، وبعض الطرق أحنّ من أجمل الشوارع، وبعض الشعاب تحمل في داخلها من الذكريات ما لا تحمله المدن كلها.
وسدير ليست تاريخًا فقط…
إنها طبيعة أيضًا.
رياضٌ تكتسي بالخضرة في مواسمها، وشعابٌ تستقبل المطر، ونخيلٌ يصطف حول المزارع، وسماءٌ مفتوحة تجعل الرحلة البرية جزءًا من متعة المكان.
لكن أجمل ما في سدير…
أهلها.
فالكرم هنا ليس عادةً موسمية، ولا مشهدًا مخصصًا للضيف؛ هو جزء من شخصية المكان.
القهوة تأتي قبل السؤال، والطعام قبل أن تقول إنك جائع، والمجلس يتسع لك حتى لو لم تكن تعرف صاحبه.
ومن سدير…
تمضي إلى القصيم.
إلى أرض الخيرات، كما عرفها أهلها، وإلى منطقةٍ صنعت من الزراعة والتجارة والتراث حكايةً متكاملة.
بريدة…
مدينةٌ كبيرة تحمل في قلبها روح القصيم، وتشتهر بأسواقها وحركتها التجارية، وبذلك المشهد الذي يجتمع فيه القديم والجديد.
وهنا، للتمور حكاية لا تنتهي.
نخيلٌ ممتد، ومزارع، وأسواق، ومهرجانات، ومنتجاتٌ أصبحت جزءًا من هوية المنطقة.
وفي القصيم، لا تشتري التمرة وحدها…
أنت تشتري شيئًا من أرضها.
تجد السكري، والخلاص، وأنواعًا كثيرة من التمور، وتجد منتجاتٍ غذائية محلية، وعسلًا، وأكلاتٍ شعبية، وحرفًا ومشغولات تستعيد ذاكرة المكان.
ثم تمضي إلى عنيزة…
مدينةٌ لها حضورها الثقافي والاجتماعي، وأسواقها القديمة، وبيوتها التراثية، ونخيلها الذي يمنحها صورةً خاصة.
وفيها تشعر أن السياحة ليست مجرد زيارة معلم ثم الرحيل؛ بل أن تجلس، وتأكل، وتمشي في السوق، وتشرب القهوة، وتستمع إلى حكاية من رجلٍ يعرف تاريخ المكان أكثر مما تعرفه الكتب.
ثم إلى المذنب…
حيث العمارة النجدية القديمة، والبيوت الطينية، والأزقة التي تستعيد صورة المدن السعودية في الماضي.
ثم إلى الرس…
حيث تقف المعالم التاريخية شاهدة على أهمية المكان في تاريخ المنطقة، وتستعيد المدينة شيئًا من ذاكرتها القديمة من خلال أسواقها ومعالمها التراثية.
وهكذا، كلما تحركت في القصيم، وجدت منتجًا جديدًا، وقصةً جديدة، ومشهدًا جديدًا.
وحويلان…
تلك القرية القريبة من بريدة، لها في ذاكرتي حكاية أخرى.
هناك كان خالي خميس السعد، رحمه الله، وهناك بقيت تفاصيل صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من عاشها.
أتذكر نقش حمود ومقرن على الشجرة، وأتذكر اسمي بينهم، لأنني كنت صديقهم القادم من الرياض.
قد تبدو تلك مجرد أسماء محفورة على شجرة…
لكنها بالنسبة لي ليست كذلك.
إنها قطعة من طفولةٍ بعيدة، وذكرى من زمنٍ كان بسيطًا، وكانت الصداقة فيه تُكتب أحيانًا على جذع شجرة، ثم تبقى في القلب أطول مما تبقى الكتابة على الخشب.
وهذه هي قوة القصيم السياحية…
أنها لا تقدم لك شيئًا واحدًا.
تقدم لك النخلة، والتمر، والطعام، والسوق، والمزرعة، والبيت الطيني، والمهرجان، والإنسان.
وتقدم لك فوق ذلك…
الذاكرة.
ومن القصيم…
نعود قليلًا إلى الوشم.
إلى شقراء وأشيقر، حيث تشعر أن الزمن اختار أن يترك بعض أبوابه مفتوحة.
شقراء…
مدينةٌ كانت ولا تزال من أهم مدن الوشم، وتحمل في بيوتها وأسواقها وقصورها جانبًا مهمًا من الذاكرة النجدية.
وفي قلب شقراء يقف قصر السبيعي، ذلك المعلم الذي ارتبط بمرحلة مهمة من تاريخ الدولة السعودية الحديثة.
وحين تدخل القصر…
لا تدخل مبنى قديمًا فقط.
تدخل مكانًا مرّت من بين جدرانه مرحلة من مراحل بناء الوطن.
طينٌ ولبن، وأبوابٌ ونوافذ، ومجالس، وفناء، وجدران تحمل آثار زمنٍ كانت فيه المسافات أطول، والرحلات أصعب، لكن الرجال أكثر تعلقًا بالأرض وأهلها.
ثم نصل إلى أشيقر…
تلك القرية التي تبدو وكأنها صفحة خرجت من كتاب قديم.
بيوتٌ طينية، وممرات ضيقة، ونخيل، ومساجد، وأسواق، ومتاحف ومقتنيات تستعيد تفاصيل الحياة النجدية.
وهنا تحديدًا تشعر أن السياحة التراثية ليست مجرد تصوير مبنى…
إنها أن تمشي في المكان وتقول:
هنا عاشوا.
هنا جلسوا.
هنا زرعوا.
هنا باعوا واشتروا.
وهنا استقبلوا ضيوفهم.
وفي الوشم، كما في سدير والقصيم، يبقى الكرم هو الخيط الذي يجمع الماضي بالحاضر.
فالبيت النجدي مهما تغير شكله، يبقى فيه مجلس.
والمجلس مهما تغير أثاثه، تبقى فيه القهوة.
والقهوة مهما تغيرت طرق تقديمها، تبقى عنوانًا لشيء أعمق…
أن الضيف له مكان.
ثم نترك الوشم…
ونتجه إلى حائل.
وهنا تبدأ الحكاية شمالًا بشكل مختلف.
حائل مدينةٌ صنعت لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة السعودية، تحيط بها الجبال، وتفتح طرقها على الصحراء، وتحمل إرثًا قديمًا من الشعر والكرم والرحلات والقوافل.
وفي حائل، لا تستطيع أن تتحدث عن المكان دون أن تتحدث عن جبال أجا وسلمى.
جبالٌ ارتبط اسمها بحائل، وصارت جزءًا من صورتها الطبيعية، حتى أصبحت الرحلة إليها أشبه بقراءة قصيدة طويلة كتبتها الطبيعة على صفحات الصخر.
وهناك، بين الجبال والوديان، تشعر أن حائل لا تعرض عليك منظرًا فقط…
بل تستعيد أمامك تاريخًا طويلًا من حياة الإنسان في هذه الأرض.
وفي المدينة يقف قصر القشلة…
ذلك الصرح الذي يحمل ذاكرة مرحلة مهمة من تاريخ حائل، ويقف اليوم شاهدًا على العمارة والبناء والوظائف العسكرية والإدارية في زمنٍ مضى.
تقف أمامه فتتخيل رجالًا مروا من هنا…
جنودًا، وموظفين، ومسافرين، وأهل مدينة، وتدرك أن المباني القديمة ليست حجارةً صامتة؛ إنها ذاكرة وطن.
ومن حائل…
نذهب إلى جبة.
إلى المكان الذي تروي صخوره قصة الإنسان القديم، وإلى النقوش والرسوم الصخرية التي جعلت من المنطقة شاهدًا على عمق التاريخ الإنساني في شمال المملكة.
وهنا يتسع معنى السياحة…
فالسائح لا يبحث دائمًا عن فندق أو مطعم.
أحيانًا يبحث عن قصة.
وحائل تعطيه القصة كاملة؛
جبل، وصحراء، ونقش، وقصر، وسوق، وكرم.
وإذا كان هناك شيء يميز أهل حائل، فهو ذلك الكرم الذي ارتبط باسمها في الذاكرة الشعبية.
تدخل مجلسًا…
فتجد القهوة.
وتجلس…
فيأتي الطعام.
وتقول اكتفيت…
فيقال لك:
ما بعد ذقت شيئًا.
وهكذا تمضي الرحلة شمالًا أكثر…
إلى عرعر.
إلى المدينة التي تقف في شمال المملكة، قريبة من الحدود، لكنها بعيدة في حكايتها عن أن تكون مجرد مدينة عبور.
عرعر لها طبيعتها الخاصة، وفي محيطها تتغير ملامح الأرض، خصوصًا بعد مواسم المطر حين تكتسي بعض المواقع بالنباتات البرية، وتصبح الرحلات البرية والتخييم ومشاهدة السماء المفتوحة جزءًا من تجربة الشمال.
وهنا، يصبح الشتاء والربيع جزءًا من الحكاية.
رحلات برية، ومخيمات، ومجالس حول النار، وقهوةٌ تُعد على مهل، وسماء شمالية صافية، وهدوء لا تجده في المدن المزدحمة.
والسياحة في الشمال لها طابعها الخاص…
ليست صخبًا.
هي رحلة.
تخرج من المدينة، وتمضي في الطريق، وتترك خلفك الأضواء، حتى يصبح الليل واسعًا، والنجوم أقرب، والنار في وسط المخيم كأنها تجمع العالم كله حولها.
ثم نصل إلى سكاكا…
عاصمة الجوف.
وهنا ندخل إلى واحدة من أغنى صفحات التاريخ في شمال المملكة.
سكاكا لا تحكي تاريخًا واحدًا؛ بل تحكي طبقات متراكمة من الحضارات والطرق والتجارة والزراعة.
فوق الجبل تقف قلعة زعبل، شامخةً كأنها ما زالت تراقب المكان.
ثم نذهب إلى أعمدة الرجاجيل…
ذلك المشهد الغامض الذي يجعل الزائر يقف طويلًا أمام حجارة صامتة، ويسأل نفسه:
من وضعها؟
ولماذا؟
وكيف كانت الحياة هنا قبل آلاف السنين؟
ثم إلى دومة الجندل…
إلى قلعة مارد، ومسجد عمر بن الخطاب، والحي التاريخي، والبحيرة، والأسواق القديمة.
وهناك تشعر أن الجوف ليست محطة في طريق الشمال…
بل واحدة من أقدم صفحات الحكاية.
وفيها تتجاور الآثار مع الزراعة، والتاريخ مع الحياة الحديثة، والنخيل مع الحجر، والماضي مع الحاضر.
ومن أجمل ما يمكن أن تأخذه من الجوف…
زيت الزيتون.
فهو ليس مجرد منتجٍ زراعي؛ بل أصبح جزءًا من تجربة المكان، من المزرعة إلى المنتج، ومن الأرض إلى مائدة الزائر.
وهكذا، من سدير إلى القصيم…
ومن الوشم إلى حائل…
ومن حائل إلى عرعر وسكاكا…
تكتشف أن الشمال ليس لونًا واحدًا.
مرةً يكون نخلة.
ومرةً يكون جبلًا.
ومرةً يكون قصرًا طينيًا.
ومرةً يكون نقشًا على صخرة.
ومرةً يكون نارًا مشتعلة في مخيم تحت سماءٍ لا نهاية لها.
لكن هناك شيئًا واحدًا لا يتغير…
الإنسان.
ذلك الإنسان الذي يستقبل الضيف بالقهوة، ويضع الطعام أمامه قبل أن يطلبه، ويعتبر إكرام الغريب جزءًا من واجبه، ويرى أن البيت الذي لا يدخله الضيف كثيرًا هو بيتٌ ينقصه شيء.
وهنا تكمن إحدى أجمل حكايات هذا الوطن…
أن السياحة السعودية ليست أماكن فقط.
هي إنسان ومكان.
هي أن تدخل قريةً قديمة فتجد من يحكي لك تاريخها.
وأن تصل إلى مزرعة فتذوق ثمرها.
وأن تجلس في مجلس شمالي فتسمع حكايات البادية.
وأن تصعد جبلًا فتكتشف نقشًا عمره آلاف السنين.
وأن تمشي بين بيوت الطين فتسمع صدى خطوات الذين عاشوا فيها قبلنا.
وأن تمر بمدينةٍ عشت فيها طفلًا، فتعود إليك أصوات المدرسة، ووجوه الأصدقاء، ولهجةٌ ما زالت تسكن حنجرتك دون أن تشعر.
هذه هي المملكة…
كلما ابتعدت عن مدينة، وجدت مدينة أخرى.
وكلما ظننت أنك وصلت إلى نهاية الحكاية، فتحت لك الأرض صفحة جديدة.
من الجنوب حيث السحاب…
إلى نجد حيث النخيل…
إلى حائل حيث الجبال…
إلى الشمال حيث الصحراء والآثار…
تمضي بنا ٢٣ سبتمبر.
وطنٌ لا يكتفي بأن يحكي لنا تاريخه…
بل يجعلنا نمشي داخله.
وفي كل خطوة…
حكاية.
وفي كل بيت…
ذاكرة.
وفي كل مجلس…
فنجان قهوة.
وفي كل منطقة…
وجهٌ جديد لوطنٍ واحد.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.