كُتاب الرأي

أيام في المقناص.. حين تصبح الصحراء حكاية

أيام في المقناص.. حين تصبح الصحراء حكاية

بدر بن سالم 

كنت أقلب صفحات من إهداء كريم من شخص عزيز علي، الدكتور سعود بن صالح المصيبيح، بعنوان «أيام في المقناص»، الصادر عن دار الصميعي. فكرته جميلة، وأنا أعشق شخصيًا كتب السِّيَر، وأجد فيها متعة خاصة؛ إذ يأخذك المؤلف من خلال حروفه إلى حياته وتجربته، فتعيش معه تفاصيل الأمكنة والأيام.
ومن جمال حروف المؤلف وسلاسة سرده، أنهيت الكتاب سريعًا، وتلاطمت في ذهني الأفكار والقصص؛ من المقناص والذهاب إلى البرية، إلى علاقة العرب بالطير الجوارح، وما للصقر والباز من حضور في ذاكرتنا العربية، حتى غدا الطير جزءًا من صور الملوك والأمراء والفرسان.
ولعل من أجمل من وصف الطير الأمير الشاعر خالد الفيصل:
«ستّل جناحه ثمّ حام
يرقى على متن الهوى
يزفّه بعيدٍ وأنا محدود
في حدّ النظر»
كما يحضر امرؤ القيس في وصفه البديع:
«كأنّ ثديَي رامةَ إحكـامًا
على حُلتينِ أو ريشِ رَهامِ
ونورُ البابونجِ يغشاهُ الندى
كأنّهُ بعينِ الظّليمِ حُطامِ»
والصيد فيه تفاصيل جميلة لا يعلمها إلا من عاشها، فهو ليس مجرد رحلة بحث عن الطير أو الصيد، بل خلوة بالصحراء وصفاء للروح. بعيدًا عن صخب المدن وضجيج الحياة اليومية، يمنح المقناص الإنسان فرصة للتأمل في سكون الفلوات، حيث يتسع الأفق وتلتقي الأرض بالسماء، وحيث يكشف الليل عن نجومه بصورة لا توصف في حضارة الإسفلت والأنوار.
هناك تشعر بأن الصحراء تسحب منك الطاقة السلبية والروتين القاتل، وتعيد إليك شيئًا من هدوئك.
والمقناص يهذب النفس ويكسب الإنسان خصالًا لا تأتي من الكتب وحدها؛ يعلم الصبر عند غياب الصيد، والتحمل عند قسوة المناخ، والاعتماد على النفس، وتقدير الرفيق، وإكرام الضيف. وهي ذات الخصال التي صنعت شخصية الإنسان العربي عبر التاريخ في بيئة قاسية لا ترحم الضعيف ولا المتكاسل.
ويقول امرؤ القيس:
«وقد أغدو والطيرُ في وكناتها
بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ»
وفلسفة العلاقة بين الصقار وطيره لا تقوم على أن الطير مجرد أداة للصيد، بل هو شريك في الرحلة، تجمع بينهما لغة صامتة قوامها الثقة والتدريب والصبر. ولحظة «الهدد»، حين ينطلق الحر أو الشيهان مسلّمًا أمره للريح، وتتبع العين سفده في جو السماء، هي ذروة النشوة البصرية والوجدانية للصقار.
إن تتبع أثر الحبارى، ومراقبة الطير وهو يرتفع على متن الهوى، ولقاء الأجواد في الفيافي الخالية؛ كلها تجعل من المقناص واحة نفسية ورياضة عربية أصيلة تظل حية في وجدان كل من ذاق طعم البر وتعبّد في محراب صحرائها.
ومن القصص الجميلة أن أهل الهجر والقرى يفرحون بإتيان الناس القادمين إلى الصحراء، فيطلبون منهم المكوث للضيافة، رغم ضعف الحال وقلة ذات اليد. لكنك تجدهم يؤثرون ضيوفهم على أنفسهم، وكأن الكرم عندهم ليس بما يملكون، وإنما بما يستطيعون أن يقدموا. ومن هنا يصبح الكرم متبادلًا بين الضيف والمضيف، وكل واحد منهما يخرج من الآخر بشيء من الوفاء والذكرى.
وحين يأتي الليل، ويحل ذلك السكون العجيب، حتى إنك حين يرتد طرف الرمش تسمعه، يصبح الليل القارص موعدًا لمجالس السمر وقهوة الصبح. فطقوس المقناص تبدأ مع فجر البادية، برائحة الحطب والقهوة المطموسة بالهيل على جمر الغضا، وتستمر حول نيران السمر ليلًا، حيث تُروى القصائد، وتُستعاد السوالف القديمة، وتتوارث الأجيال أخبار الإبل والوسوم ومواسم الصيد.
وكما يقول أستاذي الراوي محمد الشرهان، فإن قصص البر كثيرًا ما تكون عن الجن والذئاب، وما أكثر الحكايات التي ولدت في تلك الفيافي، ثم بقيت تتناقلها الألسن من جيل إلى جيل.
ومن أهم ما ينبغي أن يهم صاحب المقناص اتباع الشروط والأنظمة المتبعة من الحياة الفطرية، وألا يكون الصيد على حساب الأنواع المهددة بالانقراض، فالمقناص عشق للصحراء، وليس اعتداءً عليها.
ومن الأمور المهمة كذلك أن يعرف من يخرج إلى البر كيف يحافظ على سلامته؛ فمن الضروري أن يخبر من يثق بهم بموقعه، حتى لا يأتيه مكروه، كتعطل السيارة أو التغريز أو ما هو أكبر من ذلك، لا سمح الله.
وهناك أماكن محمية يمنع فيها الاحتطاب وإشعال النار، ومن واجب الزائر أن يحافظ عليها، وأن يترك المكان جميلًا كما رآه، فلا يكون أثر الزائرين فيه تشويهًا لما خلقته الطبيعة.
ومن القصص التي لفتتني في هذا السياق قصة رجل كان يحب المقناص، حتى قيل عنه إنه «ذئب القبيلة»، لشدة خبرته بالصحراء وصبره عليها.
انطلق ذات يوم بين كثبان الرمال الذهبية، فرأى ثعلبًا فطمع به، فهرب الثعلب، فتَبِعه الرجل بسيارته. أخذ الثعلب يدور، وأخذت السيارة تتبعه في دائرة كبيرة، ثم بدأت الدائرة تصغر وتصغر، حتى استنفد الثعلب حيلته.
لكن الرجل وقع في حفرة كادت أن تكون هلاكه، لولا لطف الله.
قام الرجل يتفقد المكان ويقيسه، فعرف أنه في موضع لا وجود فيه للبشر. وبدأ الزاد يقل، ولم يجد أمامه إلا أن يشرب من ماء المساحات، حتى أصبح اليوم الثاني والهلاك يقترب منه.
وبينما هو غارق في أفكاره، إذا بصوت يقطع سكون الصحراء:
«يالخو… يالخو!»
فقال في نفسه: أهي من الإنس أم من الجن؟
وإذا بامرأة تلبس البرقع تقبل عليه، تقترب منه، وتسقيه، وكأن الحياة عادت إليه والروح عادت إلى جسده. ثم وضعت في فيه تمرة، وقالت له:
«لا تأكلها، اجعلها تذوب، حتى تعود لك الحياة».
فأخذ يتساءل: أهي رحمة من الله؟ أم أن ما يراه أوهام رجل أنهكه العطش؟
ثم وجد بذرة التمرة، وكأنها أصبحت دليلًا على أن ما حدث لم يكن مجرد خيال.
وحين وصل إليه المسعفون، أخبرهم بالقصة، وقال لهم إن لهذه المرأة كرامة لا ينساها طوال حياته. وبعد يومين أتى بأهله إلى تلك الهجرة، وكانت المفاجأة أن أهل الرجل ذهبوا إلى أهل المرأة خاطبين، فتزوجها الرجل، وأصبحت تلك التي أنقذت حياته زوجته.
هكذا تصبح الصحراء أكثر من مكان؛ تصبح ذاكرة، وحكاية، واختبارًا للإنسان، ومكانًا تظهر فيه معادن الرجال، وكرم أهل الهجر، وصبر الصقار، ووفاء الرفيق.
وهذا نور بسيط من جمال كتاب أستاذي الدكتور سعود بن صالح المصيبيح «أيام في المقناص»؛ كتاب لم يأخذني إلى المقناص وحده، بل أخذني إلى شيء أوسع: إلى البر، وإلى الشعر، وإلى السوالف، وإلى الكرم، وإلى تلك العلاقة القديمة بين الإنسان العربي والصحراء، حيث لكل كثيب حكاية، ولكل ليلة نار وسمر، ولكل رحلة ذكرى لا تنتهي عند آخر صفحة.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.