كُتاب الرأي

حين يختبرك القارئ

حين يختبرك القارئ

بدر بن سالم 

كتبت مقالًا، وبعد نشره جاءني اتصال يسألني:
لماذا كان رد الدكتور كمال محمد عثمان عليك بهذه الطريقة؟
ابتسمت، وقلت: ربما لأن البعض يقرأ النقد بعينٍ واحدة؛ عين الكاتب الذي ينتظر الإعجاب، ولا يرى في النص إلا ما يوافقه.
أما أنا، فأرى الدكتور كمال من زاوية مختلفة.
الدكتور كمال محمد عثمان أديب وأكاديمي وباحث، وأحد الذين جمعوا بين صرامة العلم وجمال الكلمة. فهو أستاذ مشارك في جامعة أم القرى، متخصص في تقنية الميكاترونكس، وحاصل على الدكتوراه من جامعة سايمون فريزر في كندا، وله إنتاج بحثي في الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والتعلم العميق.
وأما في الأدب والكتابة، فقد وجدته قارئًا يتأمل النص قبل أن يحكم عليه، وكاتبًا لا يكتفي بأن يرى جمال الفكرة، بل يبحث عن مواضع قوتها ومواطن الخلل فيها.
ولهذا لم أستقبل ملاحظته باعتبارها خصومة.
بل قرأتها باعتبارها وردةً أُلقيت في طريق النص؛ قد لا تكون الوردة التي كنت أنتظرها، لكنها جعلتني أتوقف، وأتأمل، وأسأل نفسي: ماذا رأى القارئ ولم أره أنا؟
فالإنسان في داخله لا يحب النقد دائمًا.
الكاتب خصوصًا قد يكتب نصه بقلبه، ويسهر عليه، ويعيد صياغته مرة بعد مرة، ثم يتمنى حين يخرج إلى الناس أن يسمع: ما أجملك!
وهذا طبيعي.
لكن الكاتب الذي يريد أن يتطور لا ينبغي أن يبحث عن المحب فقط؛ ذلك الذي ينظر إليه فلا يرى إلا الجمال، بل يحتاج أيضًا إلى من ينظر إليه بعين المعلّم، فيقول له: هنا تستطيع أن تكون أفضل، وهنا تحتاج إلى أن تصقل موهبتك، وهنا ربما خانتك العبارة أو لم تصل فكرتك كما أردت.
وهنا تأتي قيمة الاختلاف.
فحين تطرح نصًا للناس، فأنت لم تعد مالكه وحدك؛ لقد أصبح أمام قراءات متعددة، وكل قارئ سيدخل إليه من الباب الذي يعرفه.
هناك من يقرأك بعين المحب، فيبحث عن أجمل ما فيك.
وهناك من يقرأك بعين الناقد، فيبحث عن موضع القوة وموضع الضعف.
وهناك من يقرأك بعين المعلّم، لا يريد إسقاطك، وإنما يريد أن يراك بعد عام أفضل مما أنت عليه اليوم.
وهذه الأخيرة، في ظني، من أثمن القراءات.
وليس في الدنيا كتابٌ بلغ الكمال المطلق إلا كتاب الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
أما ما يكتبه البشر، مهما بلغوا من العلم والأدب، فهو عمل بشري قابل للنظر والمراجعة والنقد.
وهذا لا ينتقص من الكاتب، بل يرفع من قيمة الكتابة.
ومن هنا أقول للدكتور كمال: اسمح لي أن أقول لمن لا يعرفك، إنك تمثل جانبًا نفخر به في وطننا؛ أكاديميًا بما قدمته في مجال تخصصك، وأدبيًا بما تكتبه من تأملات ومقالات فكرية وإنسانية.
ولست مضطرًا لأن أتفق مع كل ما تكتبه حتى أقدّر قلمك.
فالاختلاف مع الكاتب لا يعني إسقاطه، كما أن الإعجاب به لا يعني أن نعفيه من النقد.
وأما أنا، فقد خرجت من هذا الموقف بفائدة أكبر مما كنت أبحث عنه.
تعلمت أن الكاتب لا يحتاج دائمًا إلى من يصفق له.
أحيانًا يحتاج إلى شخص يقول له:
توقف قليلًا… انظر إلى نصك مرة أخرى.
فربما كان أجمل ما في النقد أنه لا يخبرك فقط بما أخطأت فيه، بل يكشف لك إلى أين تستطيع أن تصل.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

تعليق واحد

  1. إلى الأستاذ بدر بن سالم… بعض الورد يحتاج إلى إعادة عنوان

    قرأت مقالك «حين يختبرك القارئ» فأسعدني منه ما قلت وأحرجني منه ما منحتني

    أما ما أسعدني فهو هذا الفهم الجميل للاختلاف والنقد وأن الكلمة التي لا توافقنا قد تكون أحياناً أكثر نفعاً من كلمة التصفيق

    وأما ما أحرجني فهو أنك أكرمتني بسيرة علمية لو كانت لي لعلقتها في صدر المجلس

    فقد جعلتني أستاذاً مشاركاً في جامعة أم القرى ومتخصصاً في الميكاترونكس وحاملاً للدكتوراه من جامعة سايمون فريزر وباحثاً في الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي

    وخشيت إن سكتُّ أن يطالبني أحد غداً بإصلاح روبوت تعطّل فأفتضح أنا وتضيع هيبة المقال!

    والحقيقة يا صديقي أبسط من ذلك بكثير

    أنا رجل أعمال وصناعة بالدرجة الأولى

    مجالي العلمي التجارة وإدارة الأعمال وتخصصي هندسة التكاليف

    تجاوزت الستين بست سنوات وما زلت أتعلم

    أقرأ كثيراً لأن القراءة تمنحني أعماراً لم أعشها

    وأكتب على استحياء كاتباً هاوياً لأن الكتابة بالنسبة إلي ليست مهنة ولا شهادة أعلقها على الجدار بل نافذة أطل منها على ما أفكر فيه وأشارك الآخرين بعض ما أراه

    أما الدكتور والأستاذ الجامعي والباحث في الميكاترونكس والروبوتات فهو رجل آخر تشرفت بأن يحمل اسماً يشبه اسمي وتشرف اسمي بما أنجزه هو

    ومع ذلك فإن الخطأ في السيرة لم ينتقص عندي شيئاً من جمال مقالك

    لأن أجمل ما كتبته عني لم يكن شهادة جامعية ولا لقباً أكاديمياً

    بل قولك إنني قارئ يتأمل النص قبل أن يحكم عليه وإنني أبحث عن مواطن القوة والخلل فيه

    هذه شهادة منك أعتز بها أكثر من شهادة علمية ليست لي

    وأما تعليقي على مقالك فلم أكتبه بعين المعلّم كما تكرمت بوصفها

    فأنا مثلك تلميذ أمام الكلمة

    وكل ما فعلته أنني قرأت فكرتك ثم خطر لي أن السؤال عن عمل المرأة لم يعد في زماننا هو السؤال الأصعب وأن السؤال الذي يستحق أن نختلف حوله اليوم هو كيف نجعل نجاح الرجل والمرأة نجاحاً للأسرة والمجتمع معاً

    شكراً لك يا بدر

    شكراً لأنك أحسنت استقبال رأي لم يصفق لك

    وشكراً لأنك أكرمتني بما كتبت

    أما الشهادات التي أهديتني إياها فسأعيدها بكل محبة إلى صاحبها الحقيقي

    وأحتفظ لنفسي بشهادتك التي أحببتها

    قارئ يحاول أن يفهم
    وكاتب هاوٍ يحاول أن يقول ما فهم
    ولك كل الحب والتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.