كُتاب الرأي

حين يصبح العمر رصيداً لا رقماً

حين يصبح العمر رصيداً لا رقماً

لا أعرف متى يكبر الإنسان بالضبط

هل يكبر عندما تظهر أول شعرة بيضاء في رأسه أم عندما يتوقف عن عدّ الشعر الأبيض لأن اللون الأصلي أصبح هو الأقلية

هل يكبر عندما يناديه شاب في الطريق قائلاً يا عم فيبتسم له بينما يقضي بقية يومه يقنع نفسه أن كلمة عم عند هذا الجيل مجرد تعبير عن الاحترام

أم يكبر حين يدخل إلى غرفة ثم يقف في منتصفها محاولاً أن يتذكر لماذا جاء إليها أصلاً

للعمر طرائق ساخرة في إعلان حضوره

فهو لا يرسل خطاباً رسمياً يخبرك أن مرحلة انتهت وأخرى بدأت

بل يغير الأشياء من حولك بهدوء

والأغرب أنه لا يغير الأشياء نفسها بقدر ما يغير أسعارها في قلبك

ما كان يفرحك كثيراً يصبح عادياً

وما كنت تمر به دون انتباه يصبح بالغ القيمة

وقد عرفت ذلك ذات يوم بطريقة لا تخلو من المفارقة

وصلتني رسالة من البنك تخبرني أن مبلغاً من سبعة أرقام قد أضيف إلى حسابي مقابل عقد أنجزناه

قرأت الرقم

واكتشفت أن الرصيد الذي كان من سبعة أرقام أصبح من ثمانية

أغلقت الرسالة وأكملت يومي

وبعد قليل أضاءت شاشة الهاتف برسالة من أحد الأبناء

لم يتصل لأنه لا يريد أن يزعجني بصوت الرنين إن كنت نائماً

كتب فقط

باشا صاحي؟ أجي أشرب القهوة؟

ابتسمت

وفرحت بالرسالة الثانية أكثر من الأولى

عندها اكتشفت أن البنك أخبرني بأن رصيدي قد زاد

أما ابني فقد أخبرني دون أن يقصد أن رصيدي الحقيقي ما زال بخير

وهذه من ألاعيب العمر الجميلة

نمضي سنوات طويلة نضيف الأصفار إلى أرصدتنا ثم نصل إلى مرحلة يصبح فيها فنجان قهوة مع ابن أثمن من أصفار كثيرة

وليس معنى ذلك أن المال فقد قيمته

فالمال لم يرتكب ذنباً حتى نظلمه بعد كل هذه السنوات التي أمضيناها في مطاردته

لكنه مع العمر يكتشف أنه لم يعد يجلس في الصف الأول من حياتنا

حتى الحب نفسه يتغير سعره مع العمر

في بداياته نبحث عن الكلمات الكبيرة والهدايا والمفاجآت

ثم تمضي السنوات

فتصبح شريكة العمر التي تسألك قبل أن تنام إن كنت قد تناولت دواءك أكثر رومانسية في عينيك من قصيدة حب كاملة

وقد تجلسان معاً في صمت طويل

لا ورد على الطاولة

ولا موسيقى

ولا كلام يشبه ما يكتبه العشاق

ثم تكتشف أن هذا الصمت نفسه واحد من أجمل أشكال الحب

لأن هناك إنساناً عبر معك كل هذه المسافة

رآك قوياً وضعيفاً

غاضباً وفرحاً

ناجحاً ومتعثراً

وعرف النسخ كلها منك

ثم بقي

وبقي كلمة قصيرة في عدد حروفها

لكنها بعد عمر طويل تصبح قصيدة كاملة لا تحتاج إلى شاعر

حتى الأصدقاء يعيد العمر ترتيبهم

في الشباب كنا نظن أن كثرتهم دليل على أننا محبوبون

ثم تبدأ القائمة في الاختصار

هذا أخذته الحياة

وهذا أخذته المسافات

وهذا اكتشفنا متأخرين أنه كان مجرد معرفة جميلة

ويبقى اثنان أو ثلاثة

أحدهم يستطيع أن يتصل بك بعد غياب طويل ويقول

أين أنت يا رجل؟

فتجيبه كأنكما افترقتما بالأمس

لا يحتاج إلى مقدمات

ولا إلى اعتذار عن الغياب

ولا يسألك ماذا أصبحت

لأنه من القلائل الذين يعرفون من كنت قبل أن تصبح ما أنت عليه

وهؤلاء أيضاً أرصدة من نوع آخر

لكنها أرصدة تعجز البنوك عن فتح حسابات لها

ثم يأتي الأحفاد ليعبثوا بما بقي من هيبة العمر

رجل أمضى حياته يصدر التعليمات ويتخذ القرارات وربما ينتظره عشرات الأشخاص ليوافق على أمر أو يرفضه

ثم يأتي حفيد صغير يمسك إصبعه ويقول

تعال

فيقوم فوراً

لا يسأل إلى أين

ولا يطلب جدول أعمال

ولا حتى يعرف لماذا

ويمشي خلفه سعيداً

عندها تدرك أن بعض المناصب التي قضيت عمرك تصعد إليها يستطيع طفل صغير أن ينزلك منها بكلمة واحدة

والأجمل أنك تنزل راضياً

ويبقى شخص آخر يعيد العمر ترتيب علاقتنا به

نحن

والحقيقة أنني لم أكن دائماً سهل التعامل معي

كنت في الشباب أستطيع أن أقضي ليلة كاملة منزعجاً لأن شخصاً لم يفهم قصدي

واليوم إذا لم يفهمني أحد أقول في نفسي

لا بأس

فأنا نفسي احتجت كل هذه السنوات حتى أفهمني

كنت أدخل بعض النقاشات وكأن مستقبل البشرية متوقف على اقتناع الرجل الجالس أمامي برأيي

فإذا انتهى النقاش ولم يقتنع عدت إلى البيت وأنا أشعر أن العالم أصبح أقل حكمة مما كان عليه صباحاً

أما اليوم فقد أصبحت أكثر تسامحاً مع البشرية

يقول الرجل رأيه

وأقول رأيي

ثم أشرب قهوتي

وقد أكتشف بعد نصف الفنجان أن رأيه كان أفضل من رأيي فأكمل القهوة ولا أخبره

حتى علاقتي بالمواعيد تغيرت

في الشباب كنت أستطيع أن أخرج من البيت دون أن أعرف متى سأعود

واليوم أحب أن أعرف متى سأعود قبل أن أعرف إلى أين سأذهب

وإذا دعاني أحدهم إلى سهرة تبدأ في الحادية عشرة ليلاً لا أعتذر منه

بل أتساءل في سري

هل هي سهرة أم اختبار لمدى تمسكي بالحياة؟

والأطرف أنني لا أشعر أنني خسرت شيئاً

فقد اكتشفت أن بعض المتع التي كنا نسهر حتى الفجر بحثاً عنها

أصبحت تأتيني الآن في فنجان قهوة هادئ بعد العصر

ويبدو أن العمر لا يحرمنا من المتعة

إنه فقط يغير مواعيد الدوام

وهكذا يعيد العمر تسعير الحياة كلها

البيت الكبير جميل

لكن الأجمل من يسكنه

المائدة الفاخرة جميلة

لكن قيمتها فيمن يجلس حولها

والهاتف الغالي لا يعني شيئاً أمام اسم تحبه يظهر على شاشته

والنجاح جميل

لكن الأجمل أن تجد من تذهب إليه بعد النجاح ولا تحتاج أمامه أن تكون ناجحاً

وفي أول العمر لا نفهم ذلك جيداً

نظن أن أمامنا مخزوناً لا ينتهي من الأيام

فنؤجل زيارة

ونؤجل اعتذاراً

ونؤجل سفراً

ونؤجل جلسة مع من نحب

ونقول غداً بسهولة عجيبة

كأن بيننا وبين الغد عقداً موثقاً لا يستطيع أحد فسخه

ثم يبدأ بعض الكراسي حولنا بالفراغ

كرسي أب

كرسي أم

كرسي أخ

كرسي صديق

وهنا يتوقف العمر عن المزاح قليلاً

وندرك أن الحياة لم تكن تعدنا بشيء

وأن وجود الذين نحبهم لم يكن حقاً مكتسباً

بل نعمة كان ينبغي أن ننتبه إليها أكثر

عندها يصبح صباح بلا خبر حزين ثروة

ويصبح اجتماع الأسرة مناسبة

ويصبح صوت قديم على الهاتف هدية

ويصبح قول أحبك أسهل

وقول سامحني أقل ثقلاً

ولا يعود الإنسان مهتماً كثيراً بأن ينتصر في كل نقاش

فبعض الانتصارات بعد الستين تبدو مضحكة

ماذا ستفعل بانتصارك إذا خسرت الشخص؟

لقد احتجنا أعواماً طويلة لنتعلم أن الحياة ليست مسابقة لجمع الأشياء

بل فرصة لجمع اللحظات التي تستحق أن نتذكرها

ولذلك لا أخشى كثيراً من زيادة الرقم في عمري

فالرقم يخبرني كم مضى

أما الرصيد فيخبرني ماذا بقي

أبناء ما زالوا يريدون شرب القهوة معي

شريكة عمر ما زالت تسألني إن كنت بخير

أصدقاء يستطيعون إعادة شاب قديم إلى داخلي بمكالمة

وأحفاد يمنحونني رتبة لا تمنحها المناصب

هذه هي الثروة التي أصبحت أحصيها بعناية أكبر من أي رصيد آخر

أما بقية الأرصدة فلها موظفون في البنوك يتابعونها أفضل مني

لقد كنت في أول العمر أملك الوقت ولا أعرف قيمته

وفي منتصفه عرفت قيمته ولم أجد منه ما يكفيني

أما اليوم فقد فهمت المسألة أخيراً

لم يكن الوقت جزءاً من الثروة

كان الوقت هو الثروة

وكل من أحببناهم كانوا الطريقة الأجمل لإنفاقها

كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.