كُتاب الرأي

حين نرى النعمة استحقاقاً

حين نرى النعمة استحقاقاً

الامتنان يوسع الحياة

أعيش في منزلي وأرى أثاثه وديكوره وتفاصيله كل يوم

ومع مرور الوقت أصبحت أشياء كثيرة فيه عادية في عيني

لا أتوقف عندها كثيراً
ولا أتأملها كما كنت أفعل في البداية
ولا أشعر بالدهشة التي صاحبت رؤيتها أول مرة

ثم يزورني شخص يدخل المنزل للمرة الأولى

أراقب عينيه

أراه يتأمل التفاصيل
ويلتفت إلى ما أمر بجواره كل يوم
ويظهر على وجهه من الإعجاب ما لا يستطيع إخفاءه

فأتساءل

ما الذي يراه ولا أراه

إنه منزلي وأنا أعرفه أكثر منه

لكنني اكتشفت أن المعرفة الطويلة بالأشياء لا تجعلنا دائماً أكثر قدرة على رؤيتها

أحياناً تفعل العكس

تجعلنا أقل دهشة بها

لم يضف الضيف شيئاً إلى المنزل

لم يغير الأثاث
ولم يزد جمال المكان
ولم يأت بشيء جديد

لكنه أعاد إلي شيئاً فقدته دون أن أشعر

عين المرة الأولى

وهكذا نفعل مع كثير من نعم الحياة

لا تفقد النعمة قيمتها

لكن طول بقائها معنا يجعل حضورها في وعينا أقل

فنعتاد الصحة
ونعتاد الأمان
ونعتاد من نحب
ونعتاد البيت
ونعتاد الرزق
ونعتاد القدرة على الحركة والكلام والنظر

ثم يحدث التحول الأخطر

لا تعود هذه الأشياء في وعينا نعماً

تصبح شيئاً عادياً

ثم تتحول شيئاً فشيئاً إلى استحقاق

وكأن الحياة مطالبة بأن تبقيها لنا دائماً

وهنا تبدأ المسافة بين الامتنان والاستحقاق

الامتنان يقول

لقد أُعطيت

أما الاستحقاق فيقول

كان يجب أن أُعطى

وبين العبارتين عالم كامل

الأولى تفتح باب الشعور

والثانية تفتح باب المطالبة

ولهذا لا يكفي أن تكون النعمة موجودة

المهم أن تبقى حاضرة في وعينا

فقد يمتلك الإنسان شيئاً عظيماً ثم يعيش معه كأنه لا يملك شيئاً

ليس لأن النعمة صغيرة

بل لأن العين اعتادتها

وتتضح هذه المفارقة أكثر حين نقترب من الفقد

تخيل أباً أضاع ابنه في مكان مزدحم

في دقائق قليلة تتغير قيمة الأشياء كلها

لا يعود الهاتف مهماً
ولا الموعد مهماً
ولا العمل مهماً
ولا الخبر الذي كان يشغله مهماً

تختصر الحياة كلها في أمنية واحدة

أن يجد ابنه

ثم يجده

فيضمه وكأنه استعاد الدنيا كلها

والعجيب أنه لم يحصل على شيء جديد

لقد عاد إليه ما كان معه قبل قليل

لكن شيئاً واحداً تغير

لقد عرف قيمة الموجود حين خاف فقده

ثم تمر الأيام

ويطمئن إلى وجود ابنه

ويعود الاعتياد بهدوء

وقد يأتي يوم يجلس فيه الابن إلى جواره بينما ينشغل الأب عنه برسالة تافهة في هاتفه

لم تتغير قيمة الابن

كما لم يتغير جمال المنزل

الذي تغير هو حضور القيمة في وعينا

وهنا يصبح الامتنان أكثر من مجرد شكر

يصبح طريقة في إعادة الأشياء إلى أحجامها الحقيقية

أن نعرف قيمة النعمة دون أن نحتاج إلى فقدها

وأن نرى جمال الموجود دون أن نحتاج إلى عين غريبة تراه بالنيابة عنا

وأن نتعلم من الحياة دون أن تضطر دائماً إلى تعليمنا بالفقد

فالضيف أعاد إلى المنزل دهشته

والخوف أعاد إلى الابن قيمته

لكن الحكمة أن نتعلم نحن كيف نعيد لأنفسنا هذه الرؤية قبل أن يأتي ضيف أو يحدث فقد

أن ننظر بين حين وآخر إلى حياتنا بعين المرة الأولى

أن نسأل أنفسنا

لو لم يكن هذا الشيء لي

هل كنت سأتمناه

لو لم يكن هذا الشخص قريباً مني

هل كنت سأفتقده

لو لم أملك هذه العافية

هل كنت سأدعو الله بها

لو لم أكن أعيش هذا اليوم العادي

هل كنت سأعتبره أمراً بسيطاً

وهنا يبدأ الامتنان الحقيقي

ليس في أن نعدد النعم فقط

بل في أن نمنع الاعتياد من تغيير أسمائها

أن تبقى النعمة نعمة مهما طال وجودها معنا

وأن يبقى الجميل جميلاً مهما اعتدناه

وأن يبقى القريب عزيزاً مهما اطمأننا إلى قربه

ولا يعني هذا أن نتوقف عن الطموح

فالإنسان يستطيع أن يطلب المزيد دون أن يحتقر ما لديه

ويستطيع أن يتطلع إلى بيت أجمل دون أن يفقد دفء بيته الحالي

ويستطيع أن يطلب رزقاً أوسع دون أن يزدري ما بين يديه

ويستطيع أن يحب غده دون أن يسيء إلى يومه

فالطموح لا يناقض الامتنان

بل الاستحقاق هو الذي يفسد الطموح

لأنه يجعل الإنسان لا يرى ما عنده إلا من خلال ما ينقصه

أما الامتنان فيمنحه توازناً أجمل

عيناً ترى ما بين يديه

وعيناً تنظر إلى ما أمامه

ولهذا فإن الامتنان يوسع الحياة

لا لأنه يزيد عدد الأيام

ولا لأنه يضاعف الممتلكات

ولا لأنه يلغي النقص

بل لأنه يزيد مساحة شعورنا بما هو موجود

وقد يكون الإنسان محاطاً بنعم كثيرة لكنه يعيشها بوعي قليل

فيشعر أن حياته ضيقة

بينما قد يملك آخر أقل منه

لكنه يرى أكثر

فيعيش حياة أوسع شعوراً

ولعل هذا هو المعنى الذي كنت أبحث عنه

النعمة لا تفقد جمالها حين نعتادها

نحن الذين نفقد دهشتنا بها

والامتنان ليس أن نبحث دائماً عن نعم جديدة

بل أن نستعيد قدرتنا على رؤية النعم القديمة

فربما كان حولنا الكثير مما كنا سننبهر به

لو لم يكن لنا

وربما كان بين أيدينا الكثير مما كنا سندعو الله طويلاً أن يمنحنا إياه

لو لم نعتد وجوده

فلا تجعل طول بقاء النعمة معك يحولها في داخلك إلى استحقاق

ولا تنتظر غيابها حتى تستعيد قيمتها

وحاول بين حين وآخر أن ترى حياتك بعين من يدخلها للمرة الأولى

فلعل أجمل ما نملكه

هو ما اعتدنا وجوده حتى نسينا أن نندهش به

كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotmail.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.