المكعب لا يُرى من وجه واحد

قراءة في مقال محمد الفريدي «مستقبلنا سيدفع الفواتير»
المكعب لا يُرى من وجه واحد
قرأت مقال الصديق محمد الفريدي «مستقبلنا سيدفع الفواتير» ووجدتني أتفق معه في كثير مما وصفه
فالأسعار تغيرت
والسكن أصبح أكثر كلفة
والأسرة تشعر بضغط مصروفاتها
والطبقة المتوسطة تحتاج إلى أن تبقى قوية لأنها ليست مجرد طبقة بين طبقتين بل مساحة واسعة من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
وقد أحسن الفريدي حين وضع يده على هذا الوجه وأضاءه بوضوح
لكن شيئاً في داخلي ظل يدير الصورة
ربما لأنني لم أقرأ المقال بعين الكاتب وحده ولا بعين المواطن وحده
قرأته أيضاً بعين رجل أعمال أمضى سنوات طويلة وهو يشتري ويبيع وينتج ويوظف ويدخل المنافسات ويراقب أسعار المواد الخام وتكاليف العمالة والشحن وحركة السوق ويعرف أن السعر الذي يصل إلى المستهلك في نهاية الطريق له قصة طويلة بدأت قبل أن يصل إلى رف المتجر
وهنا وجدتني أمام مكعب
والفريدي صوّر وجهاً حقيقياً منه
لكن للمكعب ستة أوجه
وصدق الوجه لا يعني أنه المكعب كله
الوجه الأول الذي رآه الفريدي
لن أنكره
فإنكار ما يشعر به الناس لا يصنع اقتصاداً أفضل
هناك أسر ارتفعت عليها تكاليف السكن
وهناك رواتب فقدت جزءاً من قوتها الشرائية
وهناك من أصبح يفكر قبل شراء ما كان يشتريه بالأمس بسهولة
وهناك من اقترب من مدخراته أو استدان أو أعاد ترتيب أولوياته
هذه حقيقة
لكن الحقيقة الأخرى أن التضخم في المملكة ظل عند مستويات محدودة مقارنة بما شهدته اقتصادات كثيرة حول العالم
وهذا لا يعني أن المواطن لا يشعر بارتفاع بعض الأسعار
فالمتوسط شيء وما تدفعه أسرة بعينها في السكن أو الغذاء أو التعليم أو خدمة محددة شيء آخر
لكنه يعني أن علينا أن نفرق بين ارتفاع حقيقي في بعض تكاليف الحياة وبين تصوير الاقتصاد كله وكأنه يسير في اتجاه واحد لا يعرف سوى الغلاء
الوجه الثاني دولة لم تقف متفرجة
حين نتحدث عن قدرة المواطن الشرائية لا يجوز أن ننظر إلى الراتب وحده ونغفل ما فعلته السياسة الاقتصادية لحماية قيمته
فالريال السعودي حافظ على استقراره وارتباطه بالدولار عند 3.75 ريال
قد يبدو هذا الرقم مألوفاً إلى درجة أننا نسينا قيمته
لكن من تعامل مع اقتصادات فقدت عملاتها أجزاء كبيرة من قيمتها يعرف أن استقرار العملة ليس رقماً صغيراً في نشرة مالية
إنه جدار يحمي المدخرات والعقود والتجارة والاستيراد وجزءاً كبيراً من القوة الشرائية من صدمة أخرى كان يمكن أن تضاف إلى صدمات الأسعار
وفوق ذلك هناك منظومة واسعة للحماية الاجتماعية يأتي في مقدمتها حساب المواطن وبرامج دعم أخرى تستهدف تخفيف أثر التحولات الاقتصادية على الأسر المستحقة
وهناك سياسات للتوظيف والتوطين والتدريب ورفع مشاركة المواطنين في سوق العمل
والنتائج معلنة ويمكن قياسها
فالبطالة بين السعوديين وصلت إلى مستويات تختلف كثيراً عما عرفناه قبل سنوات
ولا أقول إننا وصلنا إلى نهاية الطريق
فالاقتصاد الذي يتوقف عن طلب الأفضل يبدأ في التراجع
لكن الإنصاف يقتضي حين نحسب الفواتير التي دفعها المواطن أن نحسب أيضاً الفواتير التي امتصتها الدولة أو خففت وصولها إليه
الوجه الثالث اقتصاد يتغير من الداخل
حين ننظر إلى فاتورة الأسرة وحدها لا نرى بالضرورة ما يحدث خلفها في الاقتصاد الكبير
فالصادرات غير النفطية بما فيها إعادة التصدير سجلت خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً
وهذا لا يعني أن كل بند فيها ارتفع بالوتيرة نفسها ولا أن كل سنة تخلو من التراجع في قطاع أو سلعة
فالاقتصاد الحقيقي لا يتحرك بخط مستقيم
لكن الاتجاه الأوسع يقول إن قاعدة النشاط الاقتصادي تتنوع وإن الصناعة والخدمات واللوجستيات والتجارة وإعادة التصدير أصبحت أجزاء أكثر حضوراً في اقتصاد كان النفط في زمن مضى يطغى على معظم صورته
وهذه الأرقام لا تضع ريالاً مباشرة في جيب كل مواطن
لكنها تبني شيئاً أهم على المدى الطويل
اقتصاداً لديه أكثر من باب يدخل منه الدخل
والسنوات الأخيرة لم تكن سنوات تجارة عالمية هادئة
حروب وتوترات وممرات بحرية مضطربة ومسارات شحن تطول وتكاليف تأمين ترتفع وسلاسل إمداد يعاد ترتيبها
ومع ذلك استمرت قطاعات غير نفطية في التوسع
وهذه أيضاً صورة تستحق أن توضع بجوار صورة الفاتورة
الوجه الرابع الذي أعرفه من داخل السوق
وهنا أترك التقارير جانباً قليلاً
وأتحدث عن شيء رأيته
في الاتفاقيات الإطارية التي تعاملت معها في قطاع الصناعات العسكرية وفي عقود تمت خلال عام 2024 رأيت أسعار عدد من السلع تنخفض إلى مستويات تقل في بعض الحالات بأكثر من 50 في المئة عن مستويات سابقة
هذه ليست قراءة في رسم بياني بالنسبة إلي
إنها سوق تعاملت معها
فماذا حدث؟
لم تختف تكلفة المادة الخام
ولم تعمل المصانع مجاناً
ولم يتوقف العمال عن تقاضي أجورهم
لكن المنافسة ازدادت
والخبرة تراكمت
والإنتاج أصبح محلياً
فتغيرت المعادلة
منافسة أكبر
خبرة أعلى
إنتاج محلي
فسعر أقل
ولهذا يصعب عليّ بحكم ما أراه في السوق أن أتعامل مع الأسعار وكأنها سلم لا يعرف إلا الصعود
السعر يستطيع أن يسير في الاتجاه الآخر حين تعمل أدوات الاقتصاد الصحيحة
وقد تعلمت من السوق أن أحد حلول الغلاء ليس دائماً أن نضع مالاً أكثر في يد المشتري
أحياناً يكون الحل أن نضع منافسين أكثر أمام البائع
وأن نصنع محلياً ما كنا نستورده
وأن نرفع الكفاءة
وأن تتراكم الخبرة
وأن يصبح المنتج المحلي قادراً على المنافسة في الجودة والسعر معاً
وهنا لا يصبح التوطين شعاراً
بل يصبح رقماً أقل في فاتورة الشراء
الوجه الخامس الذي لا أحب أن نعفي أنفسنا منه
وهذا ربما أكثر وجوه المكعب حساسية
لقد ارتفعت الأسعار نعم
لكن ارتفعت معها أيضاً توقعاتنا من الحياة
دعونا نعود عشر سنوات إلى الوراء فقط
كم مرة كان الشاب يذهب إلى المقهى في الشهر؟
وكم مرة يذهب إليه اليوم في الأسبوع؟
كم مرة كانت الأسرة تطلب الطعام من خارج المنزل؟
وكم مرة تفعل ذلك اليوم؟
كم اشتراكاً شهرياً لم يكن موجوداً أصلاً في ميزانية البيت؟
كم هاتفاً نستبدله قبل أن ينتهي عمره؟
كم رحلة قصيرة أصبحت جزءاً من نمط الحياة؟
وكم خدمة كانت في الأمس رفاهية ثم أدخلناها نحن إلى قائمة الضروريات؟
انظروا إلى المقاهي والمطاعم وتطبيقات التوصيل
وانظروا إلى عيادات التجميل والعناية الشخصية وانتشارها وحجم الإقبال عليها
وانظروا إلى صناعة المناسبات والسفر والترفيه والعلامات التجارية
هذه الأنشطة لم تنتشر لأن الناس هجرتها
لقد انتشرت لأن هناك طلباً يدفع لها المال
ولا أهاجم هنا المقهى ولا المطعم ولا عيادة التجميل ولا السفر
فالرفاهية حق لمن يستطيع تمويلها وهي أيضاً اقتصاد واستثمار ووظائف
لكن السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه هو
هل الحياة التي نطلب من راتبنا أن يمولها اليوم هي الحياة نفسها التي كان يمولها قبل عشر سنوات؟
هذا السؤال لا يلغي الغلاء
لكنه يمنعنا من إعفاء سلوكنا الاستهلاكي من الحساب
فأحياناً لا يكون دخلنا قد أصبح أصغر بالقدر الذي نشعر به
بل تكون الحياة التي اخترنا أن نشتريها قد أصبحت أكبر
وهناك فرق يستحق التأمل بين الاثنين
الوجه السادس سحابة السياسة فوق الاقتصاد
أشار الفريدي بحق إلى الحروب والتوترات المحيطة بنا
ولا يمكن لمن يعمل في التجارة أن يستهين بأثرها
فأنا أعرف ماذا يعني أن يتأخر الشحن
وأعرف ماذا يعني أن يطول المسار البحري
وأعرف ماذا يحدث حين ترتفع تكلفة التأمين
وأعرف كيف تتحول مخاطرة تبعد آلاف الكيلومترات إلى رقم جديد في تكلفة السلعة
فالحرب التي لا يصل صوت مدافعها إلينا قد تصل فاتورتها إلى موانئنا
لكن هنا أيضاً يجب أن نفرق بين ما هو هيكلي وما هو ظرفي
اضطراب سلاسل الإمداد بسبب الحروب ليس بالضرورة قدراً اقتصادياً دائماً
إنها سحابة
قد تثقل السماء فترة وقد تمطر علينا تكاليف إضافية لكنها ليست بالضرورة مناخاً جديداً
فالأسواق تتكيف
وطرق التجارة تجد بدائل
وسلاسل الإمداد يعاد ترتيبها
والإنتاج المحلي يستطيع أن يعوض جزءاً مما كان يأتي من الخارج
وقد لا تعود كل الأسعار إلى مستوياتها السابقة بعد انتهاء الأزمة
لكن زوال سبب الضغط قد يوقف الارتفاع أو يخفف حدته
ليست كل غيمة سوداء فصلاً مناخياً جديداً
بعضها سحابة لها وقتها ثم تمر
وبين الشهادة والإنتاج مسافة
هناك مسألة لا أحب أن تمر عابرة
نحن نفخر بزيادة أعداد المتعلمين والخريجين
وهذا حق
لكن الاقتصاد لا يسأل فقط كم شهادة وزعنا
بل يسأل ماذا أضاف حامل الشهادة إلى الإنتاج
ومن خبرة رجل يدير عملاً ويشاهد العامل والموظف والإدارة والسوق أقول إن الفارق بين منشأة وأخرى لا يصنعه دائماً عدد العاملين فيها
بل ما ينتجه كل واحد منهم
ولهذا يجب أن تترافق زيادة أعداد الخريجين مع زيادة الإنتاجية
وإلا رفعنا المؤهل ولم نرفع القيمة الاقتصادية التي يصنعها صاحبه
الدولة تستطيع أن تبني الجامعة
وتدعم التدريب
وتحفز المنشأة على التوظيف
وتخلق الفرصة
لكن يبقى على الفرد أن يجعل نفسه أكثر قيمة في سوق العمل
فزيادة الدخل المستدامة لا يصنعها قرار بزيادة الأجر وحده
بل يصنعها أيضاً إنسان أصبحت الساعة التي يعملها أكثر قيمة مما كانت عليه بالأمس
لكن أين الحل؟
هنا كانت مساحتي الأكبر مع مقال الصديق الفريدي
ليس فيما قال
بل فيما تمنيت أن يقوله بعد ذلك
فقد وصف الجرح طويلاً وأحسن وصفه
لكن القارئ بعد كل تشخيص يحتاج أن يعرف أين باب العلاج
والتشخيص مهما كان دقيقاً لا يصبح رؤية كاملة حتى يفتح باب الحل
ولا أظن أن الحل ورقة مطالب نضعها أمام الدولة وحدها
كما لا أقبل أن نضع الفاتورة كلها أمام المواطن ونقول له غير عاداتك وانتهت المشكلة
الحل موزع مثل وجوه المكعب
نحتاج إلى دولة تستمر في حماية الاستقرار النقدي والاجتماعي وتعزيز المنافسة وزيادة المعروض السكني ودعم المستحقين وفتح أبواب الاستثمار والعمل
ونحتاج إلى قطاع خاص يرفع الإنتاجية ويبني المهارة ويخلق وظائف أعلى قيمة
ونحتاج إلى تعليم لا يقيس نجاحه بعدد الخريجين وحده بل بما يستطيع هؤلاء الخريجون أن ينتجوه
ونحتاج إلى صناعة محلية تنافس المستورد لا بالشعار بل بالسعر والجودة
ونحتاج إلى منافسة حقيقية
لأنني تعلمت من السوق أن أفضل من يخفض السعر أحياناً ليس القرار
بل المنافس
ونحتاج قبل كل ذلك وبعده إلى فرد يعيد النظر في علاقته بالمال
يفرق بين الحاجة والرغبة
وبين القدرة والصورة الاجتماعية
وبين أن يعيش جيداً وأن يبدو أمام الآخرين وكأنه يعيش أفضل مما يستطيع
إعادة تعريف الكفاية
ربما يكون هذا أحد الحلول التي لا تظهر في الجداول الاقتصادية
أن نعيد تعريف ما يكفينا
فالإنسان يستطيع أن يضاعف دخله ثم يكتشف بعد سنوات أنه ما زال يشكو من المشكلة نفسها إذا تضاعفت رغباته معه
والاقتصاد يستطيع أن ينمو
والدولة تستطيع أن تقدم الدعم
والشركة تستطيع أن ترفع الأجر
لكن لا أحد يستطيع أن يضع سقفاً لرغبات الإنسان نيابة عنه
ولا يعني ذلك أن كل من ضاقت به معيشته أسرف فيها
فهناك أسر ارتفعت عليها الضروريات نفسها ولم تغير نمط حياتها
لكن الإنصاف الذي نطالب به في قراءة الاقتصاد ينبغي أن نطالب به أيضاً في قراءة سلوكنا
ولهذا فإن حماية الطبقة المتوسطة ليست مسؤولية الحكومة وحدها
إنها أيضاً مسؤولية الطبقة المتوسطة عن نفسها
في استهلاكها
وفي ادخارها
وفي تعليم أبنائها
وفي تطوير مهاراتها
وفي قدرتها على ألا تجعل المقارنة الاجتماعية مديراً غير معلن لميزانية الأسرة
وبعد أن أدرنا المكعب
أعود إلى الصديق محمد الفريدي
رأيت الوجه الذي رأيته
وأتفهم القلق الذي حملك إلى الكتابة عنه
بل أشاركك أن قوة الطبقة المتوسطة واستقرارها ضرورة لأي مجتمع يريد مستقبلاً مستقراً
لكنني حين أدرت المكعب رأيت وجوهاً أخرى
رأيت دولة امتصت جزءاً من الصدمات
ورأيت عملة حافظت على استقرارها
ورأيت سياسات توظيف وتوطين تغير سوق العمل
ورأيت اقتصاداً يوسع أبوابه غير النفطية
ورأيت صناعة محلية تنمو
ورأيت منافسة تخفض أسعاراً كنت أعرف أسعارها بالأمس
ورأيت مستهلكاً تغيرت حياته واتسعت رغباته وأصبحت أشياء لم تكن موجودة في ميزانيته قبل سنوات بنوداً ثابتة فيها
ورأيت سحابة سياسية عطلت طرقاً ورفعت تكاليف لكنها لن تبقى في السماء إلى الأبد
لهذا أخشى ونحن نحذر من الخوف على المستقبل أن نصنع خوفاً أكبر منه
نعم
قد يدفع مستقبلنا بعض فواتير حاضرنا
لكن المستقبل ليس صندوق بريد ينتظر الفواتير فقط
إنه أيضاً مصنع نبنيه
ومهارة نتعلمها
ومنافسة نفتح أبوابها
وصناعة نوطنها
وريال نحافظ على استقراره
وسلوك استهلاكي نراجعه
وقرار نتخذه اليوم حتى لا نرسل فاتورته إلى أبنائنا غداً
لقد أحسن الفريدي تصوير وجه من المكعب
وليس اختلافنا معه في أن ذلك الوجه غير موجود
بل في أن الصورة لا تكتمل حتى نديرها
فصدق الوجه لا يعني أنه المكعب كله
والمكعب لا يُرى من وجه واحد
كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotma