يا حضارم… هذا وقتكم

يا حضارم… هذا وقتكم،
فلا تورّثوا أبناءكم الندم!
قد تنتظر الشعوب عقودًا حتى تنفتح أمامها فرصة لتغيير موقعها في التاريخ، ثم تضيع تلك الفرصة في أسابيع من التردد والتنازع. ومن موقع المتابع لقضية حضرموت، والمؤمن بحق أهلها في اختيار مستقبلهم، أخشى أن يعرف الحضارم قيمة اللحظة بعدما تنقضي، وأن يجتمعوا على الندم بعدما عجزوا عن الاجتماع على القرار.
أكتب من خارج حضرموت، بوصفـي مناصرًا لقضيتها، وأتوجه إلى أهلها بنداء صريح: هذا وقتكم. وحّدوا كلمتكم، واجمعوا جهودكم، وادخلوا إلى صناعة المستقبل بمشروعكم. فما تعجزون عن انتزاع الاعتراف به اليوم، بالعمل السياسي السلمي المنظم، قد يستعصي عليكم لعشرات السنوات، وربما لمئة سنة قادمة. وحين تستقر ترتيبات جديدة وتتشابك حولها المصالح، يصبح تغييرها أشد صعوبة.
في مقالي «حضرموت في الصفقة الكبرى.. الفرصة التي قد لا تتكرر»، المؤرخ في 6 سبتمبر 2026، طرحت جوهر المسألة: الحق يحتاج إلى مشروع، والتاريخ يحتاج إلى موقف سياسي يحمله. والخطر أن تصل القوى الأخرى بمطالب جاهزة ووفود مفوضة، بينما يصل الحضارم بخلافاتهم حول من يتصدر الصورة.
وبالتاريخ نفسه، في «ما بعد الحوثي.. من سيرسم خريطة اليمن الجديدة؟»، دعوت إلى الاستعداد لليوم التالي قبل أن يأتي. فالمستقبل يُصنع أثناء التفاوض على قواعده، ومن ينتظر اكتمال التسوية قد لا يجد أمامه سوى الاختيار بين ترتيبات صاغها غيره.
وفي «وثيقة حضرموت.. ماذا نريد تحديدًا؟»، المؤرخ أيضًا في 6 سبتمبر، طرحت السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه القوى الحضرمية: ما الحد الأدنى الذي يجمعها؟ فوضوح ما يرفضه الحضارم يحتاج إلى وضوح مماثل فيما يطلبونه، ومن يحمل مطالبهم، وبأي تفويض وضمانات.
ثم أكدت في «حضرموت ليست غنيمة»، بتاريخ 7 سبتمبر 2026، أن حضرموت يجب أن تكون طرفًا في كتابة مستقبلها، وأن أرضها وثرواتها وقرار أهلها لا يجوز أن تصبح مواد لتسوية حسابات الآخرين. لكن الاعتراف بقرار حضرمي مستقل يحتاج إلى تمثيل موثوق؛ فتنافس المرجعيات يضعف قدرة أهل القضية على الدفاع عنها.
هذه المقالات حلقات في نداء واحد: الاستعداد قبل أن يُغلق الباب. واليوم أرى أن الاستعداد يبدأ بلمّ الشمل. يمكن أن يتغير ميزان القوة في المنطقة، وتتاح فرص أوسع للتفاوض، لكن الانقسام قادر على إهدار أفضل الظروف.
وفي «قلتُ إن البحر سيقود إلى البر.. فهل بدأت معركة باب المندب؟»، المنشور في 3 أكتوبر 2026، ربطت أمن الممرات بما يجري على الأرض. وأمدّ هذا السؤال اليوم إلى حضرموت: ما المشروع الذي يضمن أن تتحول أهمية موقعها إلى أمن وتنمية وقرار لأهلها؟ فالجغرافيا تمنح الإمكانات، والعمل المنظم يحولها إلى مكاسب.
وفي «حضرموت والسعودية… هل تقدم بورتوريكو نموذجًا لعلاقة من نوع جديد؟»، الذي تناولته في 30 سبتمبر، دعوت إلى توسيع التفكير في الصيغ السياسية والشراكات الممكنة. وما يجمع ذلك الطرح بحديثي اليوم هو حاجة الحضارم إلى قدرة جماعية على دراسة خياراتهم والتعبير عنها. وأرى أن العلاقة الاستراتيجية مع المملكة تستحق أن يحملها مشروع حضرمي واضح، يحمي مصالح أهل حضرموت ويخدم الاستقرار والتنمية.
لكن أي شراكة تحتاج إلى طرف يعرف ماذا يريد. ولا تستطيع العلاقات الفردية، مهما كانت مكانة أصحابها، أن تقوم مقام تفويض جامع ومؤسسات تحمل المسؤولية.
يا حضارم، لن ينجز قضيتكم تنافس المكونات على احتكار اسم حضرموت. ولن يحميها تحويل الخلاف بين الساحل والوادي، أو الداخل والمهجر، أو القبيلة والمدينة، إلى حواجز دائمة. كل طرف يربح موقعًا صغيرًا على حساب الصف الجامع يضعف القدرة التي سيحتاج إليها الجميع غدًا.
ووحدة الكلمة لا تشترط إلغاء التعدد أو إسكات النقد. تستطيعون الاختلاف في التفاصيل، والاتفاق على أن القرار لأهل حضرموت، وأن وحدة أرضها وكرامة سكانها وحماية ثرواتها أسس لا تُساوَم عليها. وبعد ذلك تُناقش الخيارات بحرية، ويُحتكم إلى إرادة الناس، وتُحاسب القيادة التي تحمل التفويض.
ومن موقع المناصر، أرى أن البداية العملية تكون باجتماع حضرمي جامع، بتمثيل متوازن للساحل والوادي والصحراء، تشارك فيه القوى المدنية والاجتماعية والاقتصادية، والشباب والنساء وأبناء المهجر، ويخرج بوثيقة مطالب مختصرة ومعلنة. وثيقة تحدد الحقوق المطلوبة، وآليات حمايتها، وما يملك الممثلون التفاوض عليه وما يحتاج إلى الرجوع لأهل حضرموت.
ويحتاج هذا الاتفاق إلى وفد مفوض، وفريق قانوني يوثق القضية، وفريق اقتصادي يحول الثروة والموقع إلى خطة تنمية، وجدول عمل يعلن للناس ما أُنجز وما تعثر. هكذا يصبح توحيد الكلمة قوة سياسية قابلة للمحاسبة، بدل أن يبقى أمنية تتكرر في كل مناسبة.
وليبدأ كل مكون بالسؤال الأصعب: ماذا هو مستعد أن يتنازل عنه من حصته وموقعه كي تقوى حضرموت؟ فمن يطالب الجميع بالاجتماع تحت اسمه وحده يجعل الوحدة اختبار ولاء شخصي، ويعيد إنتاج الانقسام الذي يدّعي علاجه.
اتحدوا، وساعدوا أنفسكم لكي يساعدكم الآخرون. فالصديق يستطيع أن يسند مشروعًا واضحًا، وأن يدعم موقفًا جامعًا، لكنه لا يستطيع أن يصنع اتفاقكم بدلًا عنكم. وحين تتعدد الوفود وتتعارض المطالب، يصعب على من يريد مساعدتكم أن يعرف أين يتجه دعمه، ومن يحمل إرادتكم. ابدؤوا بما تملكون: جمع الصف، وتحديد المطالب، وبناء الثقة بينكم، ثم اطلبوا من أشقائكم وأصدقائكم أن يسندوا هذا الجهد.
والاستعجال المطلوب هو استعجال التنظيم والتفويض، مع التروي في الالتزامات التي ترهن المستقبل. فلا ينبغي توقيع التزامات باسم الناس من دون تفويضهم، أو السماح للمكاسب المؤقتة بأن تغلق حقوق الأجيال. اغتنام الفرصة يحتاج إلى شجاعة وحكمة معًا.
يا حضارم، أمامكم مسؤولية تتجاوز هذا الجيل. قد تكون كلفة اجتماعكم اليوم التنازل عن بعض المواقع؛ أما كلفة تفرقكم فقد يدفعها أبناؤكم وأحفادكم في قرار لا يملكونه، وثروة لا يديرونها، ومستقبل يُطلب منهم قبوله.
لا تنتظروا أن تتطابق آراؤكم جميعًا كي تبدأوا. اتفقوا على الأساس، ونظّموا الخلاف، واحملوا إلى العالم كلمة يعرف أصحابها ماذا يريدون وكيف يحمون ما يتفقون عليه.
يا حضارم، هذه فرصتكم، وهذا وقت توحيد الكلمة والجهود. وإنني على ثقة تامة بأن حقوق حضرموت لن تضيع في ظل ملك الحزم وأمير العزم. فاحملوا قضيتكم بصف موحد، ومطالب واضحة، وتمثيل صادق لإرادة أهلكم. اجعلوا هذه الثقة دافعًا للعمل، وأثبتوا أنكم قادرون على جمع كلمتكم وصون حقوقكم وتأمين مستقبل أجيالكم.
إن مناصرة حضرموت من خارجها تكتسب معناها حين تسند إرادة أهلها وتحترم قرارهم. يستطيع أصدقاؤها أن يوصلوا صوتها ويدعموا حقوقها، وتبقى مسؤولية صياغة مشروعها واختيار ممثليها في أيدي الحضارم أنفسهم.
هذا وقتكم. اتحدوا، وساعدوا أنفسكم لكي يساعدكم الآخرون. فالفرصة التي تُهدر اليوم قد تغلق وراءها بابًا لا يُفتح لعقود، وربما لمئة عام.
حضرموت تستحق أن يكون أبناؤها حاضرين حين يُكتب مستقبلها. فلا تورّثوا أبناءكم الندم.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026م

