تعليقاً على «أثر بلا رصاصة» للأستاذ فيصل الكثيري

تعليقاً على «أثر بلا رصاصة» للأستاذ فيصل الكثيري
كتب الأستاذ فيصل الكثيري مقالاً ذكياً في زاوية النظر قبل أن يكون غنياً في تفاصيله
فهو لم يقرأ اتفاقية مكة من خلال ما قد تطلقه من رصاص بل من خلال ما أطلقته بالفعل من حسابات جديدة في عقول الآخرين
وهذه في تقديري أجمل ما في المقال وأعمق أفكاره
فالردع في أعلى درجاته ليس حرباً ننتصر فيها بل حرباً نجعل الخصم يعيد التفكير في خوضها أصلاً
وقد أحسن الكاتب حين نقل الاتفاقية من صورة التوقيع إلى غرف القرار في الهند وإيران وتركيا وحين التقط مبكراً أن الاتفاق الذي يجبر الآخرين على إعادة حساباتهم يكون قد بدأ ممارسة شيء من تأثيره قبل أن تتحرك جيوشه
لكن روعة الفكرة تفتح باباً آخر أراه جديراً بأن يوضع إلى جوار ما كتبه الأستاذ فيصل
فالجانب الأكثر أهمية في مستقبل هذه الاتفاقية ربما لا يكون فقط في أن تدافع الدول الثلاث عن بعضها بل في أن تبدأ بصناعة القوة التي ستدافع بها عن نفسها
هنا تبدو السعودية وتركيا وباكستان حالة مختلفة من التكامل
تركيا بما راكمته من صناعة دفاعية وتقنيات عسكرية متقدمة
وباكستان بما تملكه من خبرة عسكرية طويلة وقدرات استراتيجية وعمق بشري
والسعودية بما تملكه من ثقل اقتصادي وسياسي وموقع جغرافي بالغ الأهمية ومشروع طموح لتوطين الصناعات العسكرية
إن اجتماع هذه العناصر لا يعني بالضرورة جمع ثلاث ترسانات عسكرية فحسب
بل قد يعني مستقبلاً بناء منظومة مشتركة للبحث والتطوير ونقل التقنية والتصنيع العسكري والذخائر والطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي العسكري وسلاسل الإمداد
وهنا تنتقل الاتفاقية من مستوى يدافع عن السيادة إلى مستوى أعمق يصنع أدوات هذه السيادة
فالتحالف الذي يشتري معظم أدوات قوته من الآخرين يظل جزء من قراره مرتبطاً بمن يملك تلك الأدوات
أما التحالف الذي يستطيع صناعة جزء متزايد من قوته بنفسه فإنه لا يمتلك السلاح وحده بل يمتلك مساحة أوسع من استقلال القرار
وهذا يقود إلى زاوية أخرى ربما تستحق التأمل
لقد انشغل العالم منذ توقيع الاتفاقية بالسؤال عما ستفعله الهند وكيف ستقرأها إيران وكيف ستتعايش تركيا من خلالها مع عضويتها في الناتو
وهي أسئلة مهمة تناولها الأستاذ فيصل بوعي واضح
لكن السؤال الذي قد يكون أكثر أهمية على المدى البعيد ليس ماذا سيفعل الآخرون تجاه الاتفاقية
بل ماذا ستفعل الاتفاقية بالدول الثلاث نفسها
هل ستزيد من تشابك مصالحها
هل ستنشئ صناعة دفاعية مشتركة
هل ستبني منظومة استخبارات واتصال وقيادة تستطيع العمل في اللحظة الحرجة
هل تتحول العلاقة من التقاء مصالح إلى صناعة مصالح
فهناك فرق كبير بين تحالف جمعته الظروف وتحالف صنع من المصالح المشتركة ما يجعله قادراً على البقاء عندما تتغير الظروف
ولذلك أتفق مع الأستاذ فيصل في أن أعظم انتصار عسكري لاتفاقية مكة قد يكون حرباً لم تقع
وأضيف إلى فكرته الجميلة
أن أعظم نجاح استراتيجي لها قد يكون قوة لم نعد مضطرين إلى استيرادها
فإذا كان «أثر بلا رصاصة» قد بدأ منذ لحظة التوقيع
فإن الأثر الأبقى سيكون حين تصبح الدول التي قررت أن تدافع معاً قادرة أيضاً على أن تصنع معاً ما تدافع به
كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotmail.com

