كُتاب الرأي

الإخوة ليسوا نسخة واحدة

الإخوة ليسوا نسخة واحدة

علمتني الحياة أن الأخوة ليست عدداً يزداد حولك وإنما قيمة تزداد في داخلك وأن كثرة من يحيطون بك لا تعني أنك غني بهم فقد يكون حول الإنسان مئات الوجوه ولا يجد بينها وجهاً يطمئن إليه حين تضيق به الدنيا

ومع مرور الأعوام أدركت أن الإخوة ثلاثة أصناف لا رابع لهم

فمنهم من هو كالزاد تحتاجه كل يوم لأنه يمنحك قوة لا تشعر بها إلا إذا غاب وجوده يمنحك الطمأنينة قبل النصيحة ويمنحك الأمل قبل الحل ويقف إلى جوارك حتى قبل أن تطلب منه الوقوف هؤلاء لا يصنعون ضجيجاً في حياتك ولكنهم يصنعون استقرارها ولذلك لا يعرف الإنسان قيمتهم إلا عندما يفتقدهم

ومنهم من هو كالدواء لا تراه كثيراً ولا تسمع صوته في كل حين لكنه إذا حضرت الشدائد حضر معها وإذا أغلقت الأبواب كان أول من يطرق بابك وإذا انكسرت النفس كان أول من يجبرها هؤلاء لا يعيشون معك تفاصيل الأيام لكنهم يعيشون معك أصعبها ولذلك يبقى فضلهم في القلب أكبر من عدد اللقاءات

ويبقى الصنف الثالث وهو الأصعب فهناك من يشبه الداء لا لأنه عدو وإنما لأنه يستنزف روحك ويجعل كل لقاء معه عبئاً وكل حديث سبباً للتعب وكل معروف تقدمه إليه يعود عليك ألماً وهؤلاء يعلمون الإنسان درساً لا يقل قيمة عن دروس المحبة وهو أن سلامة القلب أحياناً تكون في تقليل المسافات لا في كثرة المجاملات

ولعل الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس أنهم ينتظرون من الجميع أن يكونوا كالزاد فإذا وجدوا بعضهم كالدواء أصابهم العتب وإذا وجدوا بعضهم كالداء أصابهم اليأس بينما الحقيقة أن الحياة لم تخلق الناس نسخة واحدة وإنما خلقتهم تجارب مختلفة وأدواراً مختلفة وحكمة الإنسان ليست في تغيير الناس وإنما في معرفة المكان الذي يستحقه كل واحد منهم في حياته

لقد تعلمت أن الأخوة ليست صلة دم فقط فقد يمنحك الغريب من الوفاء ما يعجز عنه القريب وقد يجمعك النسب بإنسان لا يجمعك به الود فالقلوب لا تتعارف بالأسماء وإنما بالأثر الذي تتركه في بعضها

ولذلك فإن أعظم نعمة يهبها الله للإنسان ليست كثرة الإخوة وإنما حسن اختيار من يفتح لهم قلبه وأن يشكر من كان له زاداً ويحفظ الود لمن كان له دواءً ويتعلم من الذي كان داءً لأن الحياة لا تمنحنا الأشخاص الذين نحبهم دائماً لكنها تمنحنا دائماً الدرس الذي نحتاجه

ليس نجاح الإنسان أن يعرف الناس جميعاً بل أن يعرف من يستحق أن يبقى في قلبه


كمال عثمان
Kamal-othman@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.