كُتاب الرأي

وطن يصنع مواطناً

وطن يصنع مواطناً

قرأت مقال الأستاذ محمد الفريدي «المواطنة على المحك» فوجدت فيه حديثاً مهماً عن المواطنة ومسؤولية المواطن وعن الفساد والنقد والوعي والمصلحة العامة

وهي معانٍ لا يختلف اثنان على أهميتها

لكن المقال أثار في ذهني سؤالاً آخر ربما يكون أكثر إلحاحاً

لماذا نحتاج إلى أن نذكّر الإنسان كل يوم بأن يكون مواطناً صالحاً؟

لقد كتبنا كثيراً عن حب الوطن وعن واجبات المواطن وعن المحافظة على مكتسباته وعن مكافحة الفساد وعن تقديم المصلحة العامة وعن النقد المسؤول

حتى أصبحت هذه المعاني على جلالها مألوفة إلى درجة أن القارئ يستطيع أحياناً أن يعرف خاتمة المقال من سطره الأول

ولعل المشكلة لم تعد في نقص الحديث عن المواطنة

بل ربما في كثرة الحديث عنها وقلة البحث في البيئة التي تصنعها

فالمواطنة في جوهرها ليست درساً يُلقن ولا شعاراً يُرفع ولا مناسبة نرفع فيها أصواتنا بالحب

إنها علاقة تنمو كل يوم بين الإنسان والوطن الذي ينتمي إليه

حين يقف مواطنان أمام النظام فلا يعرف النظام غنياً من فقير ولا قوياً من ضعيف تبدأ المواطنة

وحين يحصل المجتهد على فرصته دون أن يبحث عن باب خلفي تبدأ المواطنة

وحين يصبح الطريق إلى الحق واضحاً لا يحتاج إلى واسطة تبدأ المواطنة

وحين يعرف الإنسان أن حقه لن يضيع لأن خصمه أقوى منه تبدأ المواطنة

وحين تصبح الكفاءة طريقاً للفرصة بدلاً من المعرفة الشخصية تبدأ المواطنة

هنا يصبح الوطن شيئاً أكبر من أرض نحمل جنسيتها

يصبح شعوراً بالعدل والأمان والكرامة والانتماء

ومن هنا ربما ينبغي أن ننتقل في حديثنا من واجبات المواطن إلى صناعة المواطن

فالإنسان لا يصبح صالحاً بكثرة ما نطالبه بالصلاح

بل بالبيئة التي تجعل الصلاح هو الطريق الأسهل والأوضح والأجدى

فالفساد لا يهزم بكثرة ذمه بل حين تصبح كلفته أكبر من فائدته

والواسطة لا تختفي بالمواعظ بل حين يصبح الطريق النظامي أقصر منها

واحترام النظام لا تصنعه الخطب وحدها بل حين يرى الإنسان أن النظام يحترمه ويحفظ حقه ويعامل الجميع بالميزان نفسه

لكن الوطن لا يصنع مواطنه وحده

فخلف التحولات الكبرى قيادة ترى الإنسان قبل الإجراء وتفهم أن تغيير المجتمع لا يبدأ دائماً بمطالبته أن يتغير بل قد يبدأ بتغيير البيئة التي يعيش فيها

وهنا يحضر سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوصفه قائد وطن يصنع مواطناً

فما شهدته المملكة خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد رقمنة للخدمات ولا اختصاراً للإجراءات ولا تحديثاً للأجهزة

كان في جانب مهم منه إعادة بناء للعلاقة بين المواطن والدولة

حين يستطيع الإنسان أن ينجز معاملته من هاتفه دون أن يعرف موظفاً فإننا لا نختصر عليه الوقت فقط بل نغلق باباً كان يمكن أن تدخل منه الواسطة

وحين يصبح الإجراء واحداً أمام الجميع فإننا لا ننظم العمل فقط بل نزرع معنى المساواة

وحين تصبح الكفاءة طريقاً للفرصة فإننا لا نختار الأكفأ فحسب بل نعلم جيلاً كاملاً أن ما يعرفه وما يستطيع فعله أهم ممن يعرفه

وحين يصل المواطن إلى حقه عبر منظومة واضحة فإننا لا نقدم له خدمة فقط بل نبني ثقته في مؤسسات وطنه

وهنا تكمن عبقرية التحول

فالقائد الذي يريد صناعة مواطن جديد لا يكتفي بأن يقول له كن مختلفاً

بل يصنع له واقعاً يجعل الاختلاف ممكناً

ينظم الطريق
ويوسع الفرص
وييسر الوصول إلى الحقوق
ويضيق منافذ الفساد
ويجعل التقنية وسيطاً محايداً بين الإنسان والخدمة
ويجعل النظام أقوى من الأشخاص

ثم يترك لهذه البيئة أن تفعل فعلها في الإنسان

لأن السلوك الذي نمارسه كل يوم يتحول مع الزمن إلى ثقافة

والثقافة حين تستقر تتحول إلى طبيعة

وهنا لا نكون أمام تطوير خدمات فحسب

بل أمام صناعة سلوك

ولا نكون أمام تحديث أنظمة فحسب

بل أمام صناعة مواطن

فالأنظمة العادلة تصنع مع الزمن إنساناً يحترم النظام

والفرص المتكافئة تصنع إنساناً يؤمن بالعمل

والشفافية تصنع إنساناً أقل بحثاً عن الأبواب الخلفية

وسهولة الوصول إلى الحقوق تصنع إنساناً أكثر ثقة بوطنه ومؤسساته

ولعل هذا بعض ما فعله محمد بن سلمان

لم يكثر الحديث عن المواطن الذي ينبغي أن نكونه بقدر ما أسهم في صناعة البيئة التي تساعدنا أن نكونه

وهنا يصبح عنوان الحكاية أكثر بساطة

قائد يصنع وطناً
ووطن يصنع مواطناً

كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotmail.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.