للعلم والإحاطة: أنت كفو

للعلم والإحاطة: أنت كفو
د. سلطان محمد بن مسفر
من عادتي في هذه المساحة الأسبوعية أن أحافظ على تماسك المقال وترابط فكرته من كلمته الأولى إلى الأخيرة، وأبتعد تماماً عن تشتيت القارئ الفطن بأكثر من موضوع. غير أن البداية هذه المرة تستحق الاستثناء، إذ هي وقفة وفاء ودعاء أرواحنا بحاجة إليها، فمن أصالة الوفاء للذين رحلوا إلى جوار ربهم أن تتوقف لحظة وأنت تقرأ هذه الأسطر، لترفع يديك بالدعاء، وتتصدق بما تيسر عن أمواتنا وأمواتكم عبر منصة “إحسان”.
لقد فقدنا في الأيام الماضية في محيطنا الاجتماعي والقبلي شاباً عرفته واصلاً لرحمه، مكافحاً بشرف في كسب رزقه، وناجحاً بحكمة في رسم استراتيجية أهدافه واقتناصها، هو باختصار بطلٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى،
العزيز—رحمه الله—عبدالرحمن بن خالد بن رحيم المغيري. أسأل الله جل وعلا أن يحسن عزاء أهله وذويه، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يجعله مع أمواتنا جميعاً في جنات النعيم.
من هذا الوفاء للراحلين، ننتقل إلى دافعية الأحياء، مع قصة ملهمة لشاب استمعت إلى تفاصيلها مؤخراً، فكانت هي الشرارة الأولى لكتابة هذا المقال.
قصة هذا الشاب نموذجٌ يُدرّس في قوة الإرادة والدافعية الداخلية والإيمان المطلق بقضاء الله.
ففي مرحلة الأول الثانوي، تعرض لإصابة بمرض مجهول أسفر عن شلل كامل في الجزء السفلي من جسده، حتى فقد الإحساس به تماماً.
يروي هذا الملهم أنه وجد نفسه حينها أمام مفترق طرق خيارين لا ثالث لهما، إما أن يرتدي عباءة الضحية المتألمة، وينتظر عطف المجتمع وشفقة الآخرين، ويعيش هامشياً يعتمد على الجهات والأفراد في تسيير أموره، وإما أن يتكئ على إيمانه، ويجعل من هذا الفقد وهذه الأزمة العاصفة وقوداً لدافعيته الداخلية ليكون عضواً فاعلاً ومؤثراً.
اختار الطريق الأعرج الشاق، وأصر على إكمال تعليمه الجامعي وتخصص في العلاج النفسي، ثم صقل مهاراته بدورات متقدمة في العلاج السلوكي المعرفي. ومع مرور الوقت، ولشدة تميزه وعمق أثره، رُشح عن طريق طبيبته المعالجة ليعين مختصاً في تعديل السلوك وتحفيز مرضى السرطان في أروقة المستشفى قبل خوضهم البرامج العلاجية وبعدها.
ولست أقف هنا عند مسماه الوظيفي الدقيق، بقدر ما أقف عند الحقيقة الناصعة، لقد أصبح بامتياز «المؤثر الذي أراد أن يكونه».
إن هذه القصة تضعنا جميعاً أمام مرآة الذات، وتجبرنا على الإيمان بأن كل واحد منا “كفو”، ويملك في أعمق نقطة بداخلة طاقة جبارة تستحق أن تخرج إلى النور. إن تعثر الأهداف أو خسارتها في مرحلة ما ليس نهاية المطاف، ولا يعني بحال سقوط الإنسان، فالمسار العقلاني يقتضي أن تتغير الأهداف وتتعدل الوسائل بتغير الظروف والمرض والأزمات، شريطة أن تظل بوصلة “الدافعية للتقدم” قائمة لا تنكسر.
وهذا المعنى هو ذاته المحور الفلسفي والقرآني الذي يتجلى في قصة نبي الله يوسف—عليه السلام—، فمن مظالم الإخوة والرمي في غيابات الجب، إلى صدمة السجن والمحكومية الظالمة لسنوات، لم تتدمر دافعيته ولم يستسلم لمرارة الواقع، حتى تحول بفَضل الله ثم بتمكينه من سجين مظلوم إلى عزيز مصر وناظر خزائنها. وهو الذات المشهد الذي جسده مفكر وأيقونة البوسنة، الرئيس علي عزت بيغوفيتش، الرجل الذي قاد أمة كاملة من قاع الانهيار والإبادة إلى الانفجار الحضاري والانتصار التاريخي، لأنه كان يمتلك الإيمان بالغاية والصلابة النفسية لمواجهة الشدائد.
إن الحياة لا تمنح جوائزها للمستسلمين، والظروف القاسية ليست إلا اختباراً لمدى استحقاقك، فلا تجعل تعثر خطة يحرمك من إكمال الطريق، ولا تدع فقدان بعض الأدوات ينسيك أنك تحوي داخلك القوة الكافية لتصنع الفارق. تذكر دائماً أمام كل عاصفة: أنت كفو.
القاعدة الحياتية:
الظروف تغير الخطط ، لكن لا تهزم الواثق والمؤمن بقدراته ولا تكسر إرادة وطموح الكفو!
كاتب رأي
