كُتاب الرأي

[ الرياض إذا غضبت .. يتحول الهدوء إعصارا]

[ الرياض إذا غضبت .. يتحول الهدوء إعصارا]

الحقيقة انني لست من هواة الغوص في دهاليز السياسة المعقدة، ولا أدعي التمكن في قراءة الخرائط الجيوسياسية أو استشراف المستقبل الاقتصادي؛ فأنا رجل يجد شغفه الحقيقي في فلسفة الأعمال والحوكمة، وفي التثقيب عميقاً داخل السلوك الإنساني وتجلياته التحولية عند الأزمات.
غير أن هناك لحظات فارقة في تاريخ الأمم العظيمة، تجبر الكاتب على أن يترك مشرطه التحليلي جانباً، ليرفع رأسه بانتشاء وفخر لا حدود له، وهو يتأمل سلوك “الدولة العظمى” حين تدير الأزمات الوجودية بعبقرية استثنائية تجمع بين أعلى درجات ضبط النفس والدبلوماسية الهادئة، وأقصى درجات البطش المشروع والقوة القاهرة.
هذا الأسبوع، وأنا أتصفح بشغف ما يسطره المؤثرون
والوطنيون الأوفياء في مختلف منصات الرأي، وجدتني مقوداً بإحساس عارم من الذهول والفخر.
ذهول من ذلك “الهدوء الدبلوماسي” الرفيع والصبر الاستراتيجي المهيب الذي مارسته قيادتنا الرشيدة طيلة الفترة الماضية، وفخر بذاك المشهد البطولي الفارق -فجر الأربعاء- حين تحول الصمت التكتيكي إلى إعصار مدو يدك عروش المعتدين ويقطع دابر الخيانة والعمالة.
لقد توهم العدو الحوثي والمتربصين في اليمن ، ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد أدوات رخيصة لمليشيا الحوثي المنفذة لأجندات التخريب، وتوهمت فلول الحشد في العراق المنهوب، أو ما أسميه بذوقي التحليلي “الحقد الصفوي” المدار كلياً من أروقة طهران ومشهد، أن الحلم السعودي ضعف، وأن الحكمة الدبلوماسية استكانة.
تناسى هؤلاء الموهومون أن الدولة التي تدار بعبقرية الحوكمة السياسية العليا ورصانة صناعة القرار لا تنفعل ولا تتسرع، بل ترقب، وتزن، وتدرس كل احتمالات المشهد، ثم تضرب في الوقت المناسب، وبالأداة المناسبة، وبأعلى درجات القسوة والكفاءة والاحتراف.
وفجر الأربعاء أواخر شهر يوليو الجاري ، حين صدرت الأوامر السامية من مقام قيادتنا العظيمة، قيادة الحزم والعزم -مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسيدي سمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله-، ظهرت للعالم أجمع حقيقة الرؤية الصارمة والسيادة المؤسسية التي لا تقبل المساومة أو الابتزاز.
إننا أمام قيادة تاريخية استطاعت بحنكتها أن تجمع بين الدبلوماسية الهادئة التي تبني السلم وتصنع التنمية وتترفع عن الصغائر، وبين اليد الضاربة التي لا ترحم من يجرؤ على المساس بأمن هذا الوطن أو استقرار شبر من أرضه المباركة.
تذكرت في تلك اللحظة كلمة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الخالدة حين قال: “إن الأمن نعمة عظيمة، وهو الأساس في استقرار الشعوب ورغد عيشها، ولن نسمح لأي كائن كان أن يمس أمننا أو استقرارنا”.
وهي ذات العقيدة الصارمة والمنهجية الرصينة التي صاغها مهندس الحزم سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين أعلنها للعالم بوضوح لا يقبل التأويل مع انطلاق الأزمات لحماية الدار: “لن ينال أحد من أمن واستقرار المملكة، وسنقطع أي يد تمتد إلى حدودنا أو تحاول المساس بسيادتنا وكرامة وطننا”.
وفي تلك اللحظة الحاسمة، حلق صقورنا البواسل في
كبد السماء، وجسد جنودنا الأبطال على الحدين الشمالي والجنوبي أسمى معاني البطولة والفداء والشرف.
وقد تجسدت روح هذه السياسة العريقة في مقولة أمير الدبلوماسية الراحل الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- حين لخص الفلسفة السعودية القاطعة بقوله: “لسنا دعاة حرب، ولكن إذا دقت طبولها فنحن لها”.
وفي ضربات خاطفة حاصرة ودقيقة، أرسل طيارونا رسالة جلية أربكت حسابات الأعداء وأعادت رسم قواعد اللعبة الإقليمية برمتها: إن حدود المملكة العربية السعودية خط أحمر كتب بالدم والشهامة والسيادة، وإن من يراهن على صبر الرياض إنما يكتب بيده حتمية فنائه وسقوطه!
إن الثناء والامتنان لرجال قواتنا المسلحة بمختلف قطاعاتها ليس مجرد واجب وطني أو انحياز عاطفي، بل هو اعتراف بشرعي واستحقاق لأبطال يبيتون على ثغور الكرامة ليبقى هذا الوطن شامخاً آمنًا، وتستمر فيه عجلات التنمية والازدهار دون أن ينال منها عبث العابثين. هم الأسود الذين تحطمت على أيديهم كل المخططات الدنيئة، وهم الصقور الذين جعلوا من سماء المملكة سياجاً ناريّاً يلتهم كل من تسول له نفسه الأذى أو التطاول.
وأجمل ما في هذا الحدث التاريخي، هو ذلك
“سلوك المجتمع السعودي ” الفاخر والوعي الاستثنائي الذي تجلى في الشارع السعودي.
لقد رأينا تلاحماً وطنياً يدرّس، ويستحق أن تفرد له المجلدات في العلوم الاجتماعية والنفسية؛ شعب كامل بمختلف أطيافه يبرهن للعالم أجمع أنه ليس مجرد متفرج على أحداث وطنه، بل نحن جميعاً دون هذا الوطن درع حصين، وسور منيع تتكسر عليه كل نبال الغدر والمكائد.
إن المواطن هنا يعي تماماً أن مسؤوليته توازي مسؤولية الجندي في ميدانه؛ فبالوعي نذود، وبالثقة المطلقة بملكه وولي عهده وجيشه يسند جبهته الداخلية، رافضاً كل محاولات اختراق الصف أو نشر الشائعات.

إن الدرس الفلسفي والأخلاقي العميق الذي نخرج به هذا الأسبوع هو أن القوة الحقيقية والمهابة الساطعة لا تكمن في الضجيج والشعارات الزائفة والادعاءات الخاوية، بل تكمن في القدرة على إدارة الغضب، وامتلاك أسباب البطش المطلق مع التمسك بالقيم والحلم، حتى إذا أغلقت أبواب الحكمة، أشرعت أبواب الجحيم على كل من يحاول إلحاق الأذى بهذه الأرض العظيمة.
حفظ الله بلادنا العظيمة، وأعز قيادتنا الحكيمة، ونصر رجال قواتنا المسلحة وجيشنا الباسل شمالاً وجنوباً، ورد كيد الحاقدين في نحورهم، ودام هذا الوطن شامخاً عزيزاً يعانق مجده هامات السحاب.

سلطان محمد بن مسفر
كاتب رأي

 

 

الدكتور سلطان محمد بن مسفر

أديب سعودي، وكاتب رأي، ودكتوراه في حوكمة المنظمات، ومهتم بالثقافة والأدب وريادة الأعمال، ومؤلف كتاب (نبذة: حين يكون الجزء هو كل المعنى).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.