الشهيد زياد السلطة المغيري

الشهيد زياد السلطة المغيري
بطلٌ على حد الكرامة
في محطات الحياة الممتدة، تمر علينا أنباء تقف أمامها الكلمات عاجزة، وتتضاءل عندها مفردات اللغة؛ نبأ يمتزج فيه حزن الفقد الإنساني بأعلى درجات العزة والشموخ.
وكان من أشد تلك المواقف ثقلا على النفوس وأعظمها رفعة، نبأ ارتقاء البطل الشهيد زياد السلطة المغيري، الذي فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في ساحات العز والكرامة على الحد الجنوبي، امس الاربعاء 22 يوليو 2026 ، وهو يذود بشجاعة وإقدام عن تراب وطننا الغالي، ومقدساته، وأمن مواطنيه.
ورغم أنني لست من أسرته القريبة، إلا أن الفخر العارم الذي يملأ صدري برحيله المشرف ينبع من عمق انتسابي له في اسم هذه القبيلة العريقة، وفي هذا الدم الأصيل الذي يجري في شرايين أبنائها.
إن رحيل زياد لم يكن خسارة فردية لأسرة بعينها، بل كان ملحمة استشعر قدرها وعظمتها كل من ينتمي لهذا الوطن وهذه القبيلة. لقد أثبت بدمائه الزكية أن الشجاعة ليست مجرد موروث نظري نتردد أخباره في المجالس، بل هي عقيدة راسخة وسلوك عملي تتوارثه الأجيال، ويزيدنا اعتزازا بانتسابنا إلى اسم يخلده الأبطال بدمائهم في أنصع صفحات التاريخ.
إن الدفاع عن الوطن وحياضه ليس خيارا ثانويا ولا إيثارا عابرا، بل هو في صلب المقاصد الشرعية الكبرى؛ إذ اتفقت كلمة علماء الشريعة على أن حماية الأوطان هي الحصن المنيع الذي تتحقق به الضروريات الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال).
فلا دين يقام في أرض مزعزعة، ولا أمن يستتب لتربية العقول وحفظ النفوس، ولا كرامة تصان للأعراض والأموال، إلا بوجود وطن آمن مستقر، وسياج صلب يحميه رجال صادقون يسترخصون الأرواح دون ثراه ويستقبلون المنون بصدور عارية.
وقد اختص الله سبحانه وتعالى الشهداء بأعلى المنازل وأرفع الرتب، فجعلهم أحياء عند ربهم يرزقون، وسكب في قلوب ذويهم الطمأنينة لعظيم فضلهم ومآلهم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه)، ويؤكد الشوق للمقام الرفيع للشهادة بقوله صلوات الله وسلامه عليه: (والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل)؛ إنها التجارة الرابحة التي لا تبور، والبيع الذي باركه الله من فوق سبع سموات.
ولطالما كانت التضحية بالروح منهجاً لرجال الأمة وقادتها العظام؛ فهذا سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه يعبر عن جوهر العقيدة العسكرية الإيمانية حين قال للروم في إحدى معاركه الخالدة: (جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة)، وهي الشجاعة ذاتها التي تجلت في تاريخنا الحديث عندما خاض الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه ملحمة توحيد هذه البلاد المباركة، حيث كان يردد بثبات ويقين أمام الشدائد والمعارك: (إننا لا نطلب الملك لذاته، ولكن لنقيم دين الله ونحمي الديار، ومن أراد ديارنا أو عقيدتنا فدونها الأرواح).
وعلى هذا النهج العظيم من الثبات والاستبسال، نشأ أبناء هذه الأرض، وليست تضحية ابن عمنا الشهيد إلا امتدادا طبيعيا لغراس هؤلاء القادة والأبطال.
ولطالما شغل مفهوم التضحية والشهادة في سبيل الوطن والمبدأ عقول المفكرين والفلاسفة عبر التاريخ الإنساني.
فنجد الشاعر والمفكر العربي أبو القاسم الشابي يعبر عن خلود أثر الأبطال بقوله إن الدماء الزكية هي السائل الوحيد الذي يروي شجرة الحرية والكرامة لتورق ظلالا للأجيال القادمة.
أوغست كونت الفيلسوف الفرنسي كتب بعد الحرب العالمية الثانية جملة كانت حديث الركبان حين قال: أن المضحين والشهداء هم وحدهم من يستحقون الخلود الحقيقي في ذاكرة البشرية، لأنهم يتجاوزون حدود الوجود الفردي الضيق ليمنحوا حياتهم في سبيل الوجود الجماعي الكلي.
فالشهيد لا يموت في وجدان أمته، بل يتحول إلى رمزية خالدة تلهم الأجيال معنى العطاء المطلق والوفاء الأبدي.
كما يؤكد الفيلسوف سيغموند فرويد في تأملاته حول التضحية والتعلق بالأرض، أن الأوطان لا تبني قيمتها المعنوية العليا إلا من خلال أسطورة البطولة التي يكتبها الشهداء بدمائهم، حيث تصبح التضحية بالنفس أقصى درجات السمو الإنساني.
إن الشهادة في جوهرها ليست مجرد نهاية لحياة فرد، بل هي إعادة تعريف للمعنى الحقيقي للحياة؛ إنها اللحظة التي يختار فيها الإنسان أن يقدم أقصى ما يملك من أجل بقاء أمته واستقرار وطنه.
إننا ولله الحمد والمنة، إذ نودع بطلا قدم أغلى ما يملك في ميادين الشرف، لنستشعر القيمة الكبرى للثبات والتضحية؛ فمعظم المعارك والحروب تنتهي وتندمل وقائعها، لكن أثر الشهداء يبقى حيا يستحث فينا معاني النبل، ويذكرنا دائما بأن كرامة الأمة واستقرارها لم يأتيا من فراغ، بل بسهر الأبطال وتضحيات الشهداء. وستظل ذكرى زياد السلطة المغيري شعلة من النور والافتخار تزين تاريخ قبيلتنا، وتاجا نضعه بحب واعتزاز على رؤوسنا جميعا.
رحم الله الشهيد البطل زياد السلطة المغيري، وتقبله في عليين، وأسكنه أعلى منازل الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وألهم أهله وجميع أبناء الوطن والقبيلة جميل الصبر وحسن العزاء.
وإنا على طريق الفخر ماضون، نؤكد دوما أن دماء أبطالنا هي الحصن المنيع لرفعة هذا الوطن العظيم واستقراره.
الدكتور / سلطان محمد بن مسفر
كاتب رأي